رؤية برق يضيء السماء كلها من الأفق إلى الأفق مشهد مهيب يبقى عالقًا في ذاكرة الرائي بعد الاستيقاظ. فالسماء في الأحلام ترمز إلى الآفاق الواسعة والأمور العامة التي تتجاوز الفرد، وحين تمتلئ بالضوء فالدلالة تتسع بدورها. ومن المهم أن يُفهم أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، وأن ما فيها من هيبة لا يعني بالضرورة حدثًا ضخمًا. وإنما هي صور تعكس شعورًا أو فكرة أو انتباهًا يمر به الرائي. ولذلك ينبغي التعامل معها بهدوء بعيدًا عن التهويل.
يرمز البرق إلى الوضوح السريع والإنارة المؤقتة لأمر خفي، ويرمز الرعد إلى الخبر القوي أو الانتباه المفاجئ. وعندما يعم الضوء السماء كلها فإن المعنى قد يتجه إلى وضوح شامل في أمر يشغل الرائي أو إلى خبر ينتشر بين كثيرين. وقد يدل أيضًا على اتساع في الفهم أو إدراك مفاجئ لصورة كبيرة كانت تظهر له مجزأة. غير أن الضوء مؤقت، فهو يكشف ثم يعود المشهد إلى هدوئه. ولذلك فالمعنى يحتمل اللمحة العابرة أكثر مما يحتمل التغير الدائم.
نُسب إلى ابن سيرين أن البرق قد يدل على أمر يظهر بسرعة بين الناس، وأن اتساعه في الأفق قد يشير إلى شمول الخبر أو انتشاره. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأنوار التي تعم السماء قد تدل على اتساع في الأحوال أو ظهور أمر عام. وتختلف الآراء في ذلك، فمنهم من يميل إلى معنى البشارة ومنهم من يقتصر على معنى الإعلام والإظهار. والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة، وهذا مما يجعل التأويل اجتهاديًا في معظمه. ولا ينبغي أن تُبنى عليه أمور حاسمة.
للسياق أثر مهم، فحال السماء قبل البرق وبعده يغير الدلالة. فإذا كانت السماء صافية ثم أضاءت فقد يشير ذلك إلى انكشاف مفاجئ لأمر هادئ. وإذا كانت مغيمة فقد يوحي بأن الغموض كان واسعًا وبدأ ينقشع. ووقت الحلم أيضًا مؤثر، فالليل يعطي دلالة كشف بعد خفاء والنهار يعطي دلالة لمحة وسط وضوح. كما أن شعور الرائي بالدهشة أو الطمأنينة أو الرهبة يضيف إلى المعنى بعدًا نفسيًا.
بالنسبة للمرأة العزباء، قد يدل المشهد على أن أمرًا كبيرًا في حياتها بدأ يتضح من حيث الاتجاه العام، كالدراسة أو العمل أو القرارات المستقبلية. وقد يعبر عن شعور بسعة الخيارات المتاحة أمامها. وإذا بقيت هادئة وهي تتأمل المشهد فقد يشير ذلك إلى تقبل ما يأتي بصدر رحب. وإذا شعرت بالرهبة فقد يكون ذلك دليلًا على أن حجم القرار يشغلها. ويبقى هذا كله تأملًا عامًا.
وللمرأة المتزوجة قد يرتبط الحلم بوضوح عام في شؤون الأسرة أو بخبر يهم العائلة الكبيرة. وقد يرمز إلى اجتماع الأهل أو انتشار خبر طيب أو أمر يُتحدث فيه بين الأقارب. وللحامل يمكن أن يكون المشهد انعكاسًا لاتساع المشاعر والتأمل في الأيام المقبلة، وهو ليس إشارة طبية ولا يغني عن استشارة الطبيب. وكذلك المريض لا يتخذ من الحلم أساسًا لأي قرار علاجي. فالرؤيا هنا رمز عام فقط.
وللرجل قد يدل الحلم على اتساع في الأفق المهني أو إدراك لصورة كبيرة في العمل أو التجارة. وقد يعني ظهور خبر عام ينعكس على أعماله أو على محيطه، أو كلامًا يجري بين الناس في السوق أو الحي. وإذا كان طالبًا فقد يدل على استيعاب مفاجئ لمسألة صعبة. ومن الأنسب ألا يتعجل في ترتيب خطوات كبيرة بناء على الحلم وحده. والأفضل أن يتحقق من الوقائع قبل أن يبني عليها.
تتغير الدلالة مع التفاصيل الدقيقة. فالبرق المتواصل الهادئ يوحي بأن الأمر يتضح تدريجيًا، والبرق الخاطف الشديد يوحي بانتباه قوي مفاجئ. وإذا رافقه رعد بعيد فقد يشير إلى خبر يصل متأخرًا بعد وضوح الفكرة. وإذا لم يرافقه رعد أصلًا فقد يدل على وضوح صامت لا يتبعه ضجيج. كما أن لون الضوء وتوزعه في السماء يضيفان طبقة أخرى من المعنى.
من الناحية النفسية، يرتبط هذا الحلم أحيانًا بفترة يشعر فيها الإنسان أن عقله يستوعب أفكارًا كبيرة أو أخبارًا متلاحقة. وقد يعكس تأثره بمشاهد حقيقية رآها في الأخبار أو في الطبيعة. ويمكن أن يسأل الرائي نفسه عما يشغله من أمور كبيرة وعما إذا كان يحتاج إلى تبسيطها. وقد يفيده تقسيم الأمور الكبيرة إلى خطوات صغيرة. أما الإغراق في التفكير بالرؤيا فلا يضيف إلا قلقًا.
وفي الختام، كل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، وقد يصيب وقد يخطئ. ويحسن أن يستقبل الرائي رؤياه بحسن الظن بالله، وأن يدعو بالخير والسكينة والتوفيق. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا ينبغي أن تُبنى على الأحلام مخاوف أو قرارات. ويستحسن أن يمضي الإنسان في يومه بعمل جاد وقلب مطمئن. وفقه الله وجعل ما يراه خيرًا وسكينة.
