قد يرى الإنسان في منامه أنه وصل إلى المطار، فيجد الأضواء الواسعة والحقائب والمسافرين من حوله. وهو مشهد يوحي بالبداية، فالمطار مكان يجمع بين الانتظار والانطلاق. والرؤيا رمزية في أصلها، تتأثر بما يشغل الرائي وما يفكر فيه من خطوات. لذلك يُعرض ما يلي على سبيل الاجتهاد لا الجزم، مع التذكير بأن الأحلام تختلف باختلاف أصحابها. ولا ينبغي أن يُفهم المشهد على أنه خبر عن سفر فعلي. وتبقى الأحلام انعكاسًا لما يجول في النفس أكثر من كونها إشارة إلى أمر خارجها.
المطار في الحلم قد يرمز إلى محطة العبور بين مرحلة وأخرى، أي المكان الذي يقف فيه الإنسان بين ما كان وما سيكون. والسفر بوجه عام يرمز إلى الانتقال والتجديد والرغبة في الراحة أو الاستكشاف. فالوصول إلى المطار قد يعبّر عن بلوغ الرائي نقطة قرار أو استعداد في أمر ما. وقد يكون صورة لتخطيط يتحول إلى حركة في الذهن. ويبقى ذلك احتمالًا لا يقينًا.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن السفر في المنام يدل على تنقل الأحوال وتبدلها. ويُفهم من ذلك أن الاقتراب من أماكن السفر قد يشير إلى التهيؤ للمرحلة التالية. أما المطار بصفته مكانًا مستجدًا فلا يرد ذكره في الكتب القديمة بصورته الحالية. ولذلك يقيس المعاصرون عليه ما ورد في أماكن الرحيل والانتقال مثل الموانئ والمحطات. وهذا قياس اجتهادي يحتمل الاختلاف.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المراكب ووسائل الانتقال في المنام قد تدل على أسباب يتوسل بها الإنسان إلى مقصده. ورأى بعض المفسرين أن مكان الانتظار يشير إلى تريث قبل خطوة. وفي المقابل، يرى بعض المهتمين بالنفس أن الصورة تعكس ما يعيشه الرائي من ترقب أو حماسة. وهذه الآراء متكاملة في الغالب لا متعارضة. ويظل الواقع هو الميزان الأقرب.
للسياق أثر كبير في المعنى، فالمطار الهادئ المنظم يختلف عن المطار المزدحم الصاخب. إذا كان الرائي مرتاحًا وهو يسير في صالاته، فقد يعكس ذلك اطمئنانًا إلى ما هو مقبل عليه. وإذا شعر بالحيرة أو بالضياع بين الممرات، فقد يدل على كثرة الخيارات التي تشغل باله. وإن كان الوقت متسعًا أمامه فذلك قد يوحي بتخطيط مريح. ومن المفيد أن يتذكر الشعور العام أكثر من تفاصيل المكان. فالإحساس يبقى أصدق دلالة على الحال من لون المكان أو اتساعه.
وبحسب حال الرائي، فالطالب قد يراه عند اقتراب مرحلة دراسية جديدة أو قرار يخص تخصصه. والموظف قد يراه حين يفكر في الانتقال إلى مهام مختلفة أو في إجازة يحتاج إليها. والمرأة المتزوجة قد تراه عند التفكير في تغيير يخص الأسرة أو ترتيب أمور البيت. أما الأعزب فقد يرتبط عنده الحلم بتفكيره في خطواته القادمة ومستقبله. وكل ذلك احتمالات تُترك لتأمل الرائي نفسه. ولا يصح تعميم تفسير واحد على جميع الناس.
ومن التفاصيل المهمة من كان مع الرائي في المطار، أصحبه أحد أم كان وحده. فالرفقة قد توحي بأن الخطوة المقبلة مرتبطة بأشخاص يشاركونه فيها، والوحدة قد توحي بأنها خطوة شخصية. وكذلك الشاشات التي تعرض مواعيد الرحلات قد ترمز إلى انتظار الوقت المناسب. وإن رأى الطائرات من بعيد فقد يكون ذلك تعبيرًا عن طموح أو تطلع. ويكفي أن يحتفظ الرائي بالانطباع العام للمشهد. وإن تكرر الحلم فقد يرتبط بفكرة تتردد في الذهن وتحتاج إلى ترتيب.
ومن الجانب العملي والنفسي، فإن العقل يستخدم صورًا مألوفة ليعبر عن حالة الترقب والاستعداد. ويفيد أن يكتب الرائي ما يفكر فيه من خطوات، ثم يقسمها إلى مراحل صغيرة واضحة. فالتنظيم يخفف شعور الانتظار ويجعل الأمور أقرب إلى التحقيق. كما أن النوم الكافي والراحة يقللان من الأحلام المزدحمة بالمشاهد. وإذا هدأت الأفكار في اليقظة خفت صورها في المنام. ويحسن أن يتعلم الرائي الاستمتاع بالخطوات الصغيرة في الطريق قبل بلوغ الغاية.
وليس في هذا التفسير نصيحة طبية أو نفسية أو مالية، ولا يُبنى عليه قرار في أمر مهم. وإذا كان القلق من الانتظار أو من التخطيط مستمرًا ويؤثر في النوم والحياة اليومية، فالأفضل الكلام مع مختص أو مع أحد الأهل. فمشاركة الهم مع من يُوثق به تفتح باب الحل. وليس في طلب المساعدة ما يُستحى منه. ويبقى الحلم مادة للتأمل لا مرجعًا للتصرف.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُجزم به في حق أحد. والأحسن أن يقابل الرائي ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله، ثم يمضي في شؤونه بالتدبير الهادئ. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا صورة تحتاج إلى تأمل. وبالله التوفيق. وفي الجمع بين الأخذ بالأسباب والطمأنينة خير كثير.
