قد يستيقظ بعض الناس من نومهم وقد رأوا أنهم يخافون من السفر أو يترددون في الانطلاق، ويبقى الشعور عالقًا بهم بعد الاستيقاظ. والرؤيا في أصلها صورة رمزية تنسجها الخواطر والمشاعر وما يشغل القلب، وليست خبرًا مؤكدًا عن شيء قادم. لذلك يحسن أن يُنظر إلى الخوف في الحلم على أنه شعور داخلي يستحق الإصغاء. وفي الفقرات التالية عرض هادئ لما ذكره المعبّرون عن السفر وأثر هذا الشعور في الفهم.
يرمز السفر في عالم الرؤى غالبًا إلى الانتقال من حال إلى حال، وقد يكون ذلك في الأفكار أو الاهتمامات أو مراحل الحياة. فإذا اقترن بالخوف فقد يعبّر عن رهبة طبيعية أمام التغيير والمجهول، أو عن حرص على الثبات والأمان. وقد يعكس انشغالًا بأمر يوشك صاحبه على الإقدام عليه فيتردد فيه. ومثل هذا الشعور مألوف عند كثيرين قبل كل خطوة جديدة، ولا يصح الجزم بمعنى واحد يناسب جميع الرائين.
نُسب إلى ابن سيرين في كتب التعبير أن السفر قد يدل على تبدل الأحوال والانتقال من طور إلى آخر، وأن الطريق الميسر أقرب إلى معنى الانتظام والارتياح. ويُروى عنه أن تفاصيل الرحلة من رفقة ومركبة ووجهة تعطي الرؤيا لونها الخاص. وتُذكر هذه الأقوال للاستئناس لا للقطع، فإن في نسبة بعضها خلافًا بين المشتغلين بالتعبير. فهي إشارات عامة لا تُغني عن النظر في ما شعر به الرائي.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن السفر قد يشير إلى سعي الإنسان لأمر يهمه، وأن للرحلة الميسرة معنى الارتياح. وقال آخرون إن الرمز الواحد يتعدد وجهه بتعدد أحوال الرائين وأزمانهم، وأن الشعور المصاحب للحلم جزء من معناه. ولذلك تتباين الكتب في عباراتها وتختلف في تفصيلها. والأنسب أن تُقرأ هذه الآراء بانفتاح دون التعلق بواحد منها، فالتعبير باب اجتهاد واسع.
للسياق أثر كبير في فهم الحلم. فإذا زال الخوف في آخر الحلم أو وصل الرائي إلى وجهته مطمئنًا فهذا أقرب إلى تجاوز الرهبة بالتدرج. وإذا بقي الخوف حتى النهاية فقد يعكس انشغالًا قائمًا في اليقظة يحتاج إلى مراجعة. وإذا كان الرائي مع أحبته فقد يظهر معنى السند، وإذا كان وحده فقد يدل على حاجة إلى طمأنينة ومن يؤنسه. وللمكان ومقدار الإضاءة أثر في الدلالة أيضًا.
وللخائف من السفر في المنام قد تكون الرؤيا صدى لتفكير في خطوة جديدة كعمل أو دراسة أو انتقال أو قرار يحتاج إلى وقت. وقد تعبّر عن رغبة في الاطمئنان قبل الإقدام، أو عن تعلق بالمألوف الذي يريح. ولا يصح اعتبارها نذيرًا بشيء، فهي انعكاس لما يدور في نفسه من حذر. ويختلف المعنى بين من اعتاد التنقل ومن لم يعتد، وبين من يتهيأ لأمر قريب ومن يفكر في أمر بعيد.
وتتنوع الإشارات بتنوع التفاصيل. فالحقيبة المرتبة قد ترمز إلى استعداد يخفف القلق، والحقيبة المبعثرة قد تعكس شعورًا بأن الأمور لم تتضح بعد. والمركبة المنتظمة توحي بانتظام الأمور، والمركبة المتأخرة قد تدل على ترقب. والطريق الواسع المضاء يميل إلى الاطمئنان، والطريق الضيق المظلم قد يعبّر عن حيرة تحتاج إلى مزيد من الوضوح.
ولا يقل شعور الرائي في الحلم أهمية عن وقائعه. فالخوف الذي يخف مع الاقتراب من الوجهة يُفهم عادة على أنه رهبة تتبدد بالتجربة. والخوف الذي يبقى قد يشير إلى أمر يحتاج إلى تفكير هادئ وتشاور. وإذا لم يترك الحلم أثرًا شعوريًا واضحًا فقد يكون صدى لمشهد شوهد أو خبر سُمع. وتبقى المشاعر مفتاحًا لفهم الرؤيا وفهم النفس.
ومن الناحية العملية والنفسية قد تكون الرؤيا دعوة إلى تقسيم الخطوة الكبيرة إلى خطوات صغيرة، والاستعداد لها بتروٍ، والكلام مع من يُوثق به من الأهل. ويفيد تدوين الحلم وما صاحبه من مشاعر لفهم مصدر القلق، كما تفيد التمارين الهادئة كالتنفس العميق والمشي الخفيف قبل النوم في تخفيف التوتر. ويحسن التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية أو مالية، وأن الخوف الشديد أو القلق المستمر يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل.
هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يبلغ مرتبة اليقين، فلا يُبنى عليه قرار ولا يُتخذ دليلًا على أمر محدد. والأجمل أن يُقابل الحلم بحسن الظن بالله والدعاء بالخير والسكينة والتيسير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم يظل رمزًا يحتمل أكثر من فهم. ويُرجى من الله أن يمنح الرائي الطمأنينة وراحة البال في أيامه كلها.
