رؤية الحفر بحثًا عن الكنز في المنام مشهد يغلب عليه الجهد والعرق والتراب، فيستيقظ الرائي أحيانًا وكأنه تعب فعلًا. وينبغي أن يُعلم أن الرؤيا رمزية في أصلها، وأنها لا تدل على كنز حقيقي في موضع بعينه ولا على مال سيصل إلى الرائي، وأنها ليست دعوة إلى الحفر أو التنقيب في الواقع. والمفسرون يقرؤون هذه الصور على أنها تعبير عن أحوال نفسية وظروف معيشية وجهد داخلي. ولذلك يحسن أن يتأمل الرائي شعوره وهو يحفر، أهو حماس أم إرهاق أم يأس.
الحفر في رمزية الأحلام يرتبط بالجهد والتعمق والصبر والوصول إلى ما تحت السطح بالعمل المتواصل. فإذا اقترن بالكنز فقد يُفهم أن الرائي يبذل جهدًا كبيرًا في طلب شيء ثمين، كإتقان علم أو بناء عمل أو إصلاح أمر عميق في نفسه. وقد يشير ذلك إلى أن الثمرة لا تأتي من السطح بل من التعمق والمثابرة، وإلى أن التعب جزء من الطريق. ويذكّر المشهد بأن الجهد الموجّه خير من الجهد المبعثر، وبأن الراحة بين الجهود من حسن التدبير. وهذه قراءة رمزية لا يُجزم بها.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن العمل في الأرض والحفر فيها يرتبط بالسعي والكدح وطلب الرزق، وأن الكنز قد يرتبط بمال مدخر أو علم محفوظ. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحفر قد يشير إلى طلب أمر خفي أو إلى مشقة في سبيل مطلوب. وتختلف أقوال المفسرين في ذلك اختلافًا واسعًا، ولا يثبت شيء منها على وجه القطع. فيؤخذ ما نُقل على سبيل الاعتبار والاستئناس لا غير. ولا يصح أن يُبنى عليه قرار واقعي أو حفر في أرض.
لسياق الرؤيا أثر واضح، فحفر منظم بنشاط وأدوات مناسبة يختلف عن حفر متعب في أرض صلبة لا تلين. فالأول قد يعبّر عن جهد مثمر وتقدم، والثاني قد يعكس إحساسًا بأن الجهد لا يعطي نتيجة قريبة. وإذا كان الرائي يحفر بصبر ودون استعجال فقد يدل ذلك على ثبات، وإذا كان يحفر بعجلة وعشوائية فقد يعكس رغبة في نتيجة سريعة. وكذلك يتأثر المعنى بمن يشاركه الحفر أو يراقبه، وبما إذا كان الموضع مألوفًا أو غريبًا.
وإذا كان الرائي شابًّا فقد تعكس الرؤيا بذله جهدًا كبيرًا في الدراسة أو التدريب، وتساؤله عن جدوى هذا التعب. وقد تكون صدى لعمل يدوي قام به أو لمشهد بناء رآه. والمفسرون يميلون إلى ربط الحفر بالكدح والتعمق، وربط الكنز بالثمرة المنتظرة. ولا يعني ذلك أن الثمرة قريبة أو بعيدة. وقد لا تكون الصورة أكثر من أثر لتعب جسدي أو لعمل في حديقة أو لمشهد في فيلم.
وقد تحمل الرؤيا للمرأة معنى تعبها المتواصل في تدبير شؤون أسرتها وأملها في أن يثمر هذا التعب، وقد تعبر عن رغبتها في أن يُقدَّر جهدها. وقد تدل عند الرجل المتزوج على كدّه في العمل لأجل أسرته. أما العامل والمزارع وصاحب المشروع الناشئ فقد يعكس المشهد حياتهم اليومية القائمة على الجهد المستمر. وهذه كلها احتمالات تتبدل بتبدل الأحوال. والرائي أعرف بما يثقله.
وللتفاصيل أثر في التأويل، فأداة الحفر من معول أو مجرفة أو يد، وعمق الحفرة، ونوع التراب لينًا أو صلبًا، وطول مدة الحفر، وما إذا كانت الحفرة تتسع أو تضيق، وهل يصل الرائي إلى شيء أو يتوقف، كلها عناصر تغيّر الدلالة. فالتراب اللين قد يوحي بتيسير في الأمر، والصلب قد يوحي بحاجة إلى صبر وأدوات أفضل. وإذا انتهى الحلم بالراحة والتوقف فقد يعكس حاجة إلى مراجعة الجهد. ويفيد تدوين هذه التفاصيل في قراءة أدق.
ويحسن بالرائي أن يسأل نفسه عن المجال الذي يحفر فيه بجهده الآن: علم يتعمق فيه، أو مشروع يبنيه، أو عادة يغيّرها، أو علاقة يصلحها. وأن يسأل: هل جهده موجّه نحو هدف واضح، وهل يحتاج إلى أداة أو مشورة أو راحة. فقد يكون الحفر في الحلم صورة لهذا الجهد. وكثيرًا ما يبلغ الإنسان غايته بخطط منظمة وصبر معتدل، ويتعثر بالاندفاع المتعب.
ومن الزاوية النفسية والعملية، قد تكون الرؤيا دعوة إلى توجيه الجهد توجيهًا صحيحًا: تعلم مهارة بعمق، وبناء عادات منتظمة، وتخطيط مالي رشيد قائم على الادخار والمتابعة، مع حرص على الراحة والصحة. ويجب أن يُعلم أن الحلم ليس نصيحة مالية أو قانونية متخصصة، ولا يصح أن يدفع إلى حفر أو تنقيب في أرض أو بيت أو مجازفة بالنفس أو بالمال. وينبغي الحذر من كل عرض يعد بثراء سريع أو بمكاسب مضمونة أو بالدلالة على أماكن كنوز، فهو غالبًا من صور الاحتيال. والاستعانة بأهل الاختصاص عند الحاجة أسلم وأنفع.
ما سبق اجتهاد بشري ظني يقوم على أقوال المفسرين وعلى النظر في أحوال الناس، وليس جزمًا بما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فتبقى كل دلالة هنا في حدود الاحتمال. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالخير والتوفيق، وأن يحسن الظن به سبحانه، وأن يمضي في شأنه بطمأنينة وتوكل.
