رؤية مشاركة الكنز مع الآخرين في المنام صورة دافئة تجمع بين النفاسة والاجتماع، وقد تترك في النفس أثرًا من الأنس. وينبغي أن يُفهم أن الرؤيا رمزية، وأنها لا تدل على كنز حقيقي ولا على مال سيُشارَك فيه أو سيصل إلى الرائي. وما يرد هنا اجتهاد في قراءة الرموز وليس إخبارًا بما سيقع. وكثيرًا ما تعبّر هذه المشاهد عن مشاعر الانتماء والرغبة في التعاون وتبادل الفائدة. ومن فهمها على هذا الوجه انتفع بها دون أن يعلّق عليها آمالًا لا سند لها.
الكنز في لغة الرموز يشير إلى القيمة الداخلية، كالموهبة والمعرفة والتجربة والمودة والفرص. والمشاركة تعني أن هذه القيمة لا تبقى حبيسة صاحبها بل تنتقل وتثمر في غيره. وقد يدل ذلك على رغبة الرائي في أن ينفع من حوله بعلمه أو خبرته أو وقته. وقد يدل كذلك على حاجته إلى أن يشاركه الآخرون في أمر كبير لا يريد حمله وحده. وهذه كلها احتمالات للتأمل لا جزم فيها.
وتتنوع الدلالة بحسب من يشارك الرائي، فإن كانوا أصدقاء فقد يتجه المعنى إلى التعاون في مشروع أو دراسة أو هواية، وإن كانوا أهله فقد يتجه إلى الألفة والتكاتف، وإن كانوا غرباء فقد يتجه إلى الانفتاح على علاقات جديدة. وتتغير الدلالة كذلك بحسب طريقة المشاركة، فإن كانت بطيب نفس فقد تدل على كرم في الطباع وسعة صدر، وإن كانت بتردد فقد تدل على قلق من الفقد أو من سوء الفهم. ومشاعر الرائي أهم من ظاهر المشهد. ولذلك لا يصح الاكتفاء بظاهر الصورة دون النظر إلى ما يعيشه الرائي فعلًا.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأمور النفيسة المدخرة تُحمل على المنفعة التي تُنال بعد طلب، وأن حال الرائي وما يحيط بالمشهد هما ميزان الفهم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اجتماع الرائي بغيره على أمر محمود قد يدل على تعاون وتآلف بحسب القرائن. وقد اختلف المفسرون في توسيع هذه الدلالة أو تضييقها، فمنهم من قصرها على العلم والعمل، ومنهم من وسّعها إلى الصلات والأسرة، ومنهم من توقف عن الجزم. ولذلك يحسن أن تُعدّ هذه الأقوال إشارات للتأمل لا ثوابت.
يتأثر الفهم بالسياق، فإن كانت المشاركة في بيت أو مائدة فقد توحي بأنس واجتماع، وإن كانت في ساحة عامة فقد توحي بأثر يتجاوز الدائرة الضيقة. ويُنظر إلى أجواء المشهد، فالضوء والهدوء يدلان على انسجام، والتزاحم قد يدل على تعدد المطالب. ويُنظر كذلك إلى ردود أفعال المشاركين، فالرضا يدل على تقدير متبادل، والتململ قد يدل على حاجة إلى حوار واضح في الواقع. وليس التململ في الحلم دليلًا على سوء في أحد.
وللعازب قد تعبّر الرؤيا عن رغبة في بناء صحبة صالحة تشاركه الطريق، وللمتزوج عن تكاتف في الأسرة وتبادل للمعروف. وللمرأة قد تدل على كرم في عطائها ورغبة في أن تُقدَّر مشاركتها، وللطالب على تبادل الفائدة مع زملائه. وللموظف قد تدل على تعاون في فريق وتقاسم للمهام. وكل ذلك يتغير بتغير حال كل شخص.
وللمعلم أو الداعية إلى الخير قد تدل الرؤيا على رغبته في نشر ما يعلم، وللمسنّ على رغبته في أن تبقى تجاربه نافعة. ولصاحب المشروع قد تعبّر عن فكرة تعاون أو شراكة، ولا يصح أن تُعدّ دليلًا على نجاحها أو على صلاح من يُشارك. وللمنعزل قد تكون دعوة هادئة إلى الاقتراب من الناس. وللمكثر من العطاء قد تكون تذكيرًا بأن يرعى نفسه كما يرعى غيره. ويبقى لكل رائٍ ظرفه.
ومن الدقائق التي تُنظر هيئة الكنز، فكنز يُفتح بين الجميع قد يدل على شفافية في التعامل، وكنز يُوزَّع خفية قد يدل على تحفظ. ويُنظر إلى ما بقي لدى الرائي بعد المشاركة، فإن بقي معه ما يكفيه فقد يدل ذلك على توازن بين العطاء والحفاظ على النفس، وإن لم يبقَ شيء فقد يدل على إرهاق من كثرة البذل. ويُنظر إلى انتهاء المشهد، فإن ختم بالشكر فقد يدل على تقدير متبادل، وإن ختم بتساؤل فقد يدل على حاجة إلى مراجعة العلاقة. ولا ينبغي أخذ تفصيل واحد بقول قاطع.
ومن الناحية النفسية، قد تظهر هذه الرؤيا حين يحتاج الإنسان إلى الاجتماع أو إلى أن يشعر بأنه جزء من جماعة، أو حين يفكر في أن يقدم شيئًا نافعًا. ويمكنه الاستفادة منها بالمبادرة الصغيرة، كمشاركة معلومة أو تقديم مساعدة بسيطة أو الاستماع لمن يحتاج. وليست الرؤيا نصيحة مالية أو قانونية متخصصة، ولا يصح أن تُبنى عليها شراكة تجارية أو التزام مالي. ويُحذَّر من عروض الثراء السريع التي تدعو إلى المشاركة في استثمارات غامضة بوعود كبيرة، فتلك من صور الاحتيال. والأولى الرجوع إلى أهل الاختصاص قبل أي التزام.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يقطع بشيء. والغيب لا يعلمه إلا الله، وحسن الظن به خير ما يُقابل به الرائي رؤياه. فليدعُ ربه أن يجمع له الخير وأن يبارك في صحبته وأعماله، وأن يجعله نافعًا لمن حوله. وليتذكر أن الخير إذا شاع بين الناس ازداد أثره وطابت به الحياة.
