رؤية كنز يتحول إلى زهور في المنام صورة جميلة هادئة، فما كان معدنًا صلبًا يتفتح ألوانًا وعبيرًا. وينبغي أن يُفهم أن الرؤيا رمزية، وأنها لا تدل على كنز حقيقي ولا على مال يتحول أو يزول. وما يرد هنا اجتهاد في قراءة الرموز وليس إخبارًا بما سيحدث. وكثيرًا ما تعبّر هذه المشاهد عن تحول القيمة من كونها مدخرة إلى كونها جمالًا ونفعًا ظاهرًا. ومن فهمها كذلك انتفع بها دون أن يعلّق عليها توقعات لا سند لها.
الكنز في لغة الرموز يشير إلى القيمة الداخلية، كالموهبة والخبرة والمودة والفرص. والزهور ترمز إلى الجمال والنمو والرقة والبهجة وما يُثمر بالرعاية. فتحول الكنز إلى زهور قد يوحي بأن ما يعتز به الرائي قد يزهر ويظهر أثره إذا عُني به. وقد يدل على أن القيمة الداخلية تنتظر الرعاية والوقت لتتفتح. وهذه احتمالات للتأمل لا جزم فيها.
وتتنوع الدلالة بحسب نوع الزهور وهيئتها، فإن كانت متفتحة زاهية فقد تدل على اكتمال جمال أمر ما، وإن كانت براعم فقد تدل على بدايات تحتاج إلى صبر. وإن كانت ذابلة فقد تدل على حاجة إلى عناية. وإن كانت ذات عبير فقد توحي بأثر طيب يصل إلى الناس. وإن كانت كثيرة متنوعة فقد توحي بتعدد المواهب والجوانب. ويبقى الأهم شعور الرائي وحاله.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأزهار والرياحين في المنام تُحمل في بعض الأقوال على معانٍ طيبة كالسرور والذكر الحسن بحسب القرائن. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يتفتح ويظهر جماله في الرؤيا قد يتصل بأمر محمود بحسب حال الرائي. وقد اختلف المفسرون في ذلك، فبعضهم ربط الزهور بالسرور، وبعضهم بالأمر الذي لا يدوم، وبعضهم توقف عن الجزم. ولذلك يحسن أن تُعدّ هذه الأقوال إشارات للتأمل لا ثوابت.
يتأثر الفهم بالسياق، فإن كان التحول في بستان أو حديقة فقد يدل على بيئة مواتية للنمو، وإن كان في بيت فقد يدل على جمال في الحياة اليومية. ويُنظر إلى ما فعله الرائي، فإن اعتنى بالزهور وسقاها فقد يدل على رعاية، وإن قطفها فقد يدل على رغبة في الاستفادة العاجلة. ويُنظر كذلك إلى شعور الرائي، فالسرور يدل على انشراح، والأسف على فقد الكنز الصلب قد يدل على تعلق بالصورة القديمة. وليس هذا المشهد وعدًا بشيء.
وللعازب قد تدل الرؤيا على مواهب تتفتح بالرعاية والصبر، وللمتزوج على مودة في الأسرة تحتاج إلى عناية دائمة. وللمرأة قد تعبّر عن جمال جهودها وما تبذله من رقة وعطاء، وللطالب عن علم يزهر بالمثابرة. وللموظف قد تدل على مهارة تتفتح مع الوقت. وكل ذلك احتمال يتغير بتغير الحال.
وللمسنّ قد تعبّر الرؤيا عن ذكريات جميلة وتجارب أثمرت جمالًا، وللشاب عن طاقات تحتاج إلى وقت لتنضج. وللمتعجل قد تكون دعوة إلى الصبر، فالزهور لا تتفتح بالإلحاح. وللمهمل لنفسه قد تكون تذكيرًا بالعناية بالجمال الداخلي. وللمتأثر بالمظاهر قد تكون إشارة إلى أن الجمال الحقيقي في الخلق. ولا يصح تعميم هذه الدلالات على الجميع.
ومن الدقائق التي تُنظر ألوان الزهور، فالألوان الدافئة قد توحي بالألفة والدفء، والألوان الهادئة قد توحي بالسكينة. ويُنظر إلى مكان نموها، فإن نبتت على الكنز نفسه فقد يدل ذلك على أن القيمة تتجدد في موضعها، وإن نبتت حوله فقد يدل على أثر يمتد إلى المحيط. ويُنظر إلى ما حدث بعد ذلك، فإن بقيت الزهور فقد يدل على استمرار الجمال، وإن ذبلت فقد يدل على حاجة إلى رعاية دائمة. ولا ينبغي المبالغة في تفصيل واحد.
ومن الناحية النفسية، قد تظهر هذه الرؤيا حين يمر الإنسان بمرحلة نمو وتجدد، أو حين يشعر بأن جهده بدأ يظهر أثره. ويمكنه الاستفادة منها بالعناية بنفسه وعلاقاته والصبر على ما يحتاج إلى وقت، فالنمو يحتاج إلى سقي منتظم. وليست الرؤيا نصيحة مالية أو قانونية متخصصة، ولا ينبغي أن تُتخذ سببًا لتصرف في أموال أو ممتلكات. ويُحذَّر من عروض الثراء السريع التي تَعِد بإزهار الأموال في وقت قصير، فتلك من صور الاحتيال. والأولى الرجوع إلى أهل الاختصاص. ومن المفيد أن يمهل الرائي نفسه وقتًا قبل أي قرار، وأن يكتب ما يشعر به ثم يراجعه بهدوء مع من يثق بخبرته وأمانته.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يقطع بشيء. والغيب لا يعلمه إلا الله، وحسن الظن به خير ما يُقابل به الرائي رؤياه. فليدعُ ربه أن يبارك له في سعيه وأن يجعل أثره طيبًا، وليأخذ بالأسباب في العناية بما يحب. وليتذكر أن الكلمة الطيبة والخلق الحسن أجمل من كل زهر.
