رؤية كنز عليه رموز في المنام صورة تثير الفضول، فالرائي يرى نقوشًا وعلامات وأشكالًا غير مألوفة على الكنز أو بجواره. وينبغي أن يُفهم أن الرؤيا رمزية، وأنها لا تدل على كنز حقيقي ولا على علامات تدل على موضع مال. وما يرد هنا اجتهاد في قراءة الرموز، وتُفسَّر هذه الرموز على أنها غموض يحتاج إلى فهم، وليس لها معنى غيبي. وكثيرًا ما تعبّر هذه المشاهد عن رغبة في فك لغز أو فهم أمر ثمين يبدو معقدًا. ومن فهمها كذلك أحسن الانتفاع بها.
الكنز في لغة الرموز يشير إلى القيمة الداخلية، كالموهبة والخبرة والمودة والفرص والمعاني. والرموز والنقوش ترمز إلى الغموض والدلالات المضمنة وإلى ما يحتاج إلى تفسير وتأمل. فاجتماعهما قد يوحي بأن القيمة التي يبحث عنها الرائي ليست ظاهرة سهلة، وإنما تحتاج إلى فهم وصبر. وقد يدل على أن الرائي يشعر بأن في حياته أمرًا قيّمًا لم يفهمه بعد. وهذه احتمالات للتأمل لا جزم فيها.
وتتنوع الدلالة بحسب هيئة الرموز، فإن كانت منتظمة متكررة فقد تدل على نمط أو قاعدة في حياة الرائي تحتاج إلى انتباه هادئ. وإن كانت متفرقة فقد تدل على أمور متعددة لم تتضح علاقتها. وإن كانت مألوفة بعض الشيء فقد تدل على أمر قريب من خبراته. وإن كانت غريبة تمامًا فقد تدل على مجال جديد. ويبقى الأهم شعور الرائي وحاله.
نُسب إلى ابن سيرين أن النقوش والعلامات في المنام تُحمل في بعض الأقوال على معانٍ بحسب هيئتها، وأن العبرة بالقرائن وحال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يُرى من الكتابات والعلامات قد يتصل بالعلم أو بما يُدوَّن بحسب الحال. وقد اختلف المفسرون في ذلك، فبعضهم أطال في تفصيل أنواع العلامات، وبعضهم اكتفى بالمعاني العامة، وبعضهم توقف عن الجزم. ولذلك يحسن أن تُعدّ هذه الأقوال إشارات للتأمل لا ثوابت.
يتأثر الفهم بالسياق، فإن كانت الرموز على الكنز نفسه فقد تدل على أن القيمة تحمل معنى مضمنًا فيها، وإن كانت على جدار أو لوح بجانبه فقد تدل على مفتاح فهم خارجي. ويُنظر إلى مشاعر الرائي أثناء النظر إليها، فإن شعر بالفضول فقد يدل على رغبة في التعلم، وإن شعر بالحيرة فقد يدل على حاجة إلى إرشاد. ويُنظر كذلك إلى وجود إضاءة أو ظلام، فالإضاءة توحي بوضوح قريب، والظلام يوحي بحاجة إلى مزيد من الفهم. وليست الرموز في الحلم دليلًا على خرائط أو مواضع.
وللعازب قد تدل الرؤيا على حيرة في اختيار طريقه، وللمتزوج على أمور في أسرته لم يفهمها بعد. وللمرأة قد تعبّر عن رغبة في فهم ما مرّت به، وللطالب عن موضوع معقد يحتاج إلى تبسيط. وللموظف قد تدل على نظام عمل أو إجراءات غير واضحة. وكل ذلك احتمال يتغير بتغير حال الرائي.
وللباحث أو الدارس قد تعكس الرؤيا انشغاله بمسألة علمية، وللفضولي قد تكون تعبيرًا عن حبه للتعلم. وللمنشغل بالغيب قد تكون دعوة إلى الانتباه إلى أن الفهم يُطلب بالدراسة والسؤال لا بالتخمين. وللمسنّ قد تدل على رموز الذكريات التي يتأملها. وللقلق من أمر مجهول قد تكون الرموز ترجمة لغموض يشعر به. ولا يصح تعميم هذه الدلالات على الجميع.
ومن الدقائق التي تُنظر شكل الرموز، فالأشكال الهندسية قد توحي بنظام، والأشكال الحيوانية قد توحي بطباع، والأشكال النباتية قد توحي بنمو. ويُنظر إلى عدد الرموز، فالقليل قد يوحي بفكرة مركزة، والكثير قد يوحي بتعدد الجوانب. ويُنظر إلى ما فعله الرائي بعد ذلك، فإن رسمها أو دوّنها فقد يدل على رغبة في الحفظ والتعلم، وإن تجاهلها فقد يدل على عدم استعداد بعد. ولا ينبغي المبالغة في تفصيل واحد.
ومن الناحية النفسية، قد تظهر هذه الرؤيا حين يمر الإنسان بمرحلة حيرة أو يحاول فهم أمر معقد. ويمكنه الاستفادة منها بتبسيط المشكلة وتقسيمها إلى أجزاء، وبسؤال أهل الخبرة والعلم. وليست الرؤيا نصيحة مالية أو قانونية متخصصة، ولا ينبغي أن تُتخذ سببًا للبحث عن كنز أو لتصديق من يدّعون فك الرموز. ويُحذَّر من عروض الثراء السريع التي تعتمد على خرائط وعلامات مزعومة وتطلب مالًا مقابل الدلالة على كنز، فتلك من صور الاحتيال. والأولى الرجوع إلى أهل الاختصاص.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يقطع بشيء. والغيب لا يعلمه إلا الله، وحسن الظن به خير ما يُقابل به الرائي رؤياه. فليدعُ ربه أن يرزقه فهمًا سديدًا وبصيرة في أموره، وليأخذ بالأسباب في التعلم والسؤال. وليتذكر أن الغموض يزول بالصبر والعلم، وأن الطمأنينة تُطلب بالتوكل.
