تكرار رؤية الشجرة في المنام من الأمور التي يتوقف عندها كثيرون، فيتساءلون هل لتكرارها معنى خاص أو دلالة زائدة. ومن المهم أن يُفهم من البداية أن الرؤيا رمزية لا حرفية، وأن التكرار لا يعني بالضرورة أمرًا مقبلًا ولا يدل على سوء. فالعقل كثيرًا ما يعيد الصورة المألوفة التي ترتبط بشعور أو هم أو أمل. ولذلك يحسن أن يُقرأ التكرار بهدوء وتأمل دون قلق.
الشجرة في الدلالة العامة ترمز إلى الأصل والنمو والثبات والظل والعطاء، وتكرارها قد يعبّر عن حضور هذه المعاني في تفكير الرائي. فقد يكون تفكيره في أسرته أو أصله أو مستقبله أو عمله أو رغبته في الاستقرار. وقد يشير التكرار إلى أن الصورة مرتبطة بشعور لم يُعبَّر عنه في اليقظة بما يكفي. وتتبدل هذه المعاني بحسب هيئة الشجرة وإحساس الرائي في كل مرة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الشجرة قد ترمز إلى رجل صاحب أصل ونفع، وأن حالها قد يعكس حال ما تدل عليه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشجرة المثمرة تدل على خير، وأن تكرار الرؤيا قد يشير إلى تأكيد المعنى في بعض الأحوال. غير أن المعبّرين اختلفوا في أثر التكرار، ولم يتفقوا على قول واحد، فمنهم من عدّه تأكيدًا ومنهم من عدّه صدى للنفس. وصورة تكرار الشجرة بعينها أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيبقى فيها مجال للاجتهاد.
للسياق أثر كبير، فتكرار رؤية شجرة خضراء وارفة يختلف عن تكرار رؤية شجرة جافة، وتكرارها بالصورة نفسها يختلف عن تكرارها بصور مختلفة. وإحساس الرائي مهم، فإن كان في كل مرة مطمئنًا فالمعنى أقرب إلى الأنس والاستقرار، وإن كان قلقًا فقد يتصل بتوتر مستمر. كما أن الفترة التي يتكرر فيها المنام، كموسم امتحان أو انتقال أو انشغال بالأسرة، تلون الصورة. ويضاف إلى ذلك أن ما يراه الرائي في يومه من أشجار أو مناظر قد يعيده الذهن في النوم. ولهذا لا يكفي العنوان وحده لفهم المنام.
إذا تكررت رؤية شجرة خضراء وارفة مع شعور بالطمأنينة، فقد يُفهم ذلك على أنه إشارة إلى رغبة في الاستقرار أو إحساس بسند يحيط بالرائي. وقد يعبّر عن أمل في نمو وثبات يلازم تفكيره. وهذا قراءة تفاؤلية رمزية لا وعد فيها بنتيجة محددة. ويحسن أن يستأنس بالصورة وأن يعمل بما يقوي أصله وأسرته.
وإن تكررت رؤية الشجرة مع قلق أو ثقل في الإحساس، فقد يكون انعكاسًا لانشغال ذهني مستمر بأمر لم يُحسم بعد. وليس في ذلك ما يدعو إلى الهلع، فالتكرار في المنامات كثيرًا ما يرتبط بما يشغل النفس في اليقظة. والمعنى الألطف دعوة إلى مراجعة ما يشغل الرائي والتحدث عنه وتخفيفه. وكل ذلك اجتهاد لا قطع فيه.
التفاصيل الدقيقة قد تضيف معنى، فإذا تغيرت هيئة الشجرة مع كل مرة فقد تُقرأ على أنها تحولات في الحال، وإذا بقيت كما هي فقد تُقرأ على أنها ثبات في الشعور. وإن زادت الشجرة نموًا وخضرة مع كل مرة فقد يُقرأ ذلك على أنه تحسن تدريجي، وإن قلت خضرتها فقد يُقرأ على أنه فتور يحتاج إلى عناية. وقد يفيد أن يدوّن الرائي ما يراه كل مرة ليتبين له النمط. والعبرة بما يشعر به الرائي بعد الاستيقاظ.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يكون التكرار دعوة إلى الانتباه لما يشغل الذهن من أمر الأسرة أو الأصل أو المستقبل. ويحسن بالرائي أن يتحدث عما يفكر فيه مع من يثق به وأن ينظم نومه ويخفف السهر وكثرة المنبهات. وإذا تكرر المنام مع قلق شديد أو اضطراب في النوم فمراجعة مختص من الأخذ بالأسباب. ولا ينبغي أن يبني على المنام قرارًا مصيريًا.
وقد يتكرر المنام أيضًا لمجرد ارتباط الشجرة بذاكرة جميلة أو مكان محبب، وفي هذه الحال لا يحمل التكرار أكثر من حنين طبيعي. فالمنام كثيرًا ما يعيد صورًا ارتبطت بالأنس والراحة. ولا حاجة إلى تحميل التكرار معنى مخيفًا أو الاعتقاد بأنه نذير. ويكفي أن يُحمل على معنى الأنس والثبات. ومن المعلوم أن التعب وقلة النوم يؤثران في المنامات، فلا تُحمَّل فوق ما تحتمل.
وفي الختام فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار حاسم. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدع الله أن يجعل رؤياه خيرًا وأن يطمئن قلبه ويبارك له في أمره. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بالأسباب ويتوكل ويحسن العمل. اللهم اجعل ما رآه خيرًا، واشرح صدره وبارك له في أيامه.
