رؤية شجرة تختفي فجأة من الرؤى التي تخالف المألوف، فبعد أن كانت الشجرة حاضرة أمام الرائي تغيب دون سابق إنذار. ومن المهم أن تُفهم الرؤيا على أنها رمزية لا حرفية، فالمنامات كثيرًا ما تجمع صورًا لا تقع في الواقع. وقد تكون الصورة تعبيرًا عن إحساس بتغير مفاجئ أو انتهاء مرحلة أو فقدان سند مؤقت أو قلق من زوال شيء مألوف. ولذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء دون هلع ولا استعجال.
الشجرة في الدلالة العامة ترمز إلى الأصل والنمو والثبات والظل والعطاء، واختفاؤها المفاجئ يخالف ما اعتاده الناس من ثباتها. فإذا اجتمعا فقد يكون المعنى العام تغيرًا في أمر كان يُظن راسخًا، أو إحساسًا بأن ما يعتمد عليه الإنسان قد لا يدوم على حاله. وقد يشير ذلك إلى انتقال من مرحلة إلى أخرى أو إلى حاجة إلى الاعتماد على النفس والتوكل على الله. وتتبدل هذه المعاني بحسب هيئة الشجرة وإحساس الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الشجرة قد ترمز إلى رجل صاحب أصل ونفع، وأن ما يعتريها من تغير قد يعكس ما يعتري صاحبها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى ربط الشجرة بالنفع والعمل، وأن غيابها قد يشير إلى انقطاع نفع أو انتقاله. غير أن المعبّرين اختلفوا في تفصيل هذه الدلالات، ولم يتفقوا على قول واحد. وصورة اختفاء الشجرة بعينها قليلة التناول في الكتب القديمة، فيبقى فيها مجال واسع للاجتهاد وحسن النظر.
للسياق أثر كبير، فاختفاء الشجرة اليابسة يختلف عن اختفاء الخضراء الوارفة، واختفاؤها مع شعور بالراحة يختلف عن اختفائها مع شعور بالخوف. وإحساس الرائي مهم، فإن شعر بالهدوء فالمعنى أقرب إلى انتقال طبيعي، وإن شعر بالفقد فقد يتصل بقلق من تغير. كما أن مرحلته الراهنة من انتقال أو فراق أو تغيير عمل تلون الصورة بلون ما يشغله. ويضاف إلى ذلك أن طريقة الاختفاء، أكان بتلاشٍ هادئ أم بغياب سريع، قد تغير وقع الصورة. ولهذا لا يكفي العنوان وحده لفهم المنام.
إذا رأى الرائي شجرة تختفي فجأة ثم حلّت محلها مساحة واسعة مضيئة أو شجرة أخرى أجمل، فقد يُفهم ذلك على أنه إشارة إلى انتهاء مرحلة وبدء أخرى أفضل. وقد يعبّر عن تجدد بعد تغير. وهذا قراءة تفاؤلية رمزية لا وعد فيها بنتيجة محددة. ويحسن أن يستعد لما بعد التغير بنفس مطمئنة.
وإن رأى الشجرة تختفي فبقي مكانها فارغًا وشعر بالحزن أو الفقد، فقد يعبّر ذلك عن قلق من فقد سند أو عمل أو علاقة. وليس في ذلك ما يدعو إلى الهلع، فالمنام لا ينذر بسوء، وقد يكون صدى لخوف عابر من التغير. والمعنى الألطف دعوة إلى تقوية الأصل الداخلي والاعتماد على الله ثم على العمل وعدم التعلق الزائد بما يزول. وكل ذلك اجتهاد لا قطع فيه.
التفاصيل الدقيقة قد تضيف معنى، فإن اختفت الشجرة بهدوء كأنها تذوب في الضوء فقد تُقرأ على أنها مرحلة تنتهي بسلام، وإن اختفت فجأة بصوت أو حركة فقد تُقرأ على أنها تغير سريع. وإن بقي ظلها بعد اختفائها فقد يُقرأ على أنه بقاء أثر طيب بعد انتهاء أمر، وإن بقيت ثمارها فقد يُقرأ على أنه بقاء النفع. ومكان الاختفاء ووقته تفاصيل تتغير بها القراءة. والعبرة بإحساس الرائي بعد الاستيقاظ.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد تكون الرؤيا تذكيرًا بأن كل أمر في الدنيا يتغير، وأن الثبات الحقيقي في القيم والإيمان لا في الأشياء. ويحسن بالرائي أن يهيئ نفسه للتغيرات بتنظيم أموره وتقوية علاقاته والاستعانة بأهل الرأي. وإن أحس بقلق من فقد أمر فمحادثة من يثق به تخفف عنه. ولا ينبغي أن يبني على المنام قرارًا مصيريًا، فالواقع والمشورة هما الأصل.
وقد تتكرر الصورة في فترات الانتقال أو القلق من التغير، وفي هذه الحال يكون الأقرب أنها صدى لما يشغل الذهن. فالمنام كثيرًا ما يجمع صورًا غير واقعية للتعبير عن إحساس داخلي. ولا حاجة إلى تحميل التكرار معنى مخيفًا. ويكفي أن يُحمل على معنى الاستعداد للتغير. ومن المعلوم أن التعب وقلة النوم يؤثران في المنامات، فلا تُحمَّل فوق ما تحتمل.
وفي الختام فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار حاسم. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدع الله أن يجعل رؤياه خيرًا وأن يلطف به في كل تغير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بالأسباب ويتوكل ويحسن العمل. اللهم اجعل ما رآه خيرًا، وبارك له في أمره كله.
