الحلم بالأعلام من الرؤى التي ترتبط بالهوية والانتماء والرموز التي يجتمع حولها الناس. وهي رؤيا رمزية لا تدل على أمر خارجي، وإنما تعكس شعور الرائي بما يعبّر عنه ويمثله وما يعتز به. والأحلام المزعجة شائعة، وغالبًا ما تعكس توترًا عابرًا لا واقعًا، وقد تأتي الأعلام في المنام بصورة مبهجة كالمناسبات والاحتفالات. ويحسن أن تُقرأ الرؤيا في هذا الموضع قراءة نفسية هادئة بعيدة عن أي ربط بأحداث عامة. فالعلم في الحلم قد يكون قطعة قماش ملونة تحمل معنى شخصيًا لصاحبها.
من الناحية النفسية، ترمز الأعلام إلى الرغبة في التعبير عن الذات والانتماء إلى جماعة أو فكرة أو أسرة. فقد يمر الرائي بمرحلة يسأل فيها نفسه عما يمثله وما يريد أن يعتز به. وقد يدل الحلم على شعور بالفخر أو بالحنين إلى مكان أو ذكرى. وربما عبّر عن رغبة في أن يُرى ويُقدَّر. وهذه كلها معانٍ نفسية تتصل بالهوية الشخصية، وتختلف من إنسان إلى آخر.
نُسب إلى ابن سيرين أن الراية والعلم في المنام يدلان على الشأن والمكانة بحسب حال حاملهما، ويختلف المعنى بحسب الألوان والهيئة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الألوان في الرؤيا لها دلالات تتغير بحسب السياق وحال الرائي. وتعددت أقوال المعبّرين، فبعضهم التفت إلى اللون وبعضهم إلى موضع العلم. ولا تُعد هذه الأقوال قاطعة، ولا تُحمل على أحداث عامة. والأولى أن تُفهم بما يناسب الرائي وحياته الخاصة.
للسياق أثر في الفهم. فإن كانت الأعلام في احتفال أو مناسبة سعيدة، فقد ترتبط بالفرح والتقدير. وإن كانت في مدرسة أو ملعب أو حفل، فقد تدل على الانتماء إلى فريق أو جماعة. وإن كانت مرتفعة في هواء صافٍ، فقد تعبّر عن اعتزاز وارتياح. وإن كانت باهتة أو متعبة، فقد تشير إلى شعور بضعف الانتماء أو إلى إرهاق. وفي كل ذلك يبقى شعور الرائي هو الأصل.
وللعازب قد يعكس الحلم رغبة في إيجاد مكانه بين الأصدقاء أو الزملاء أو الأسرة الكبيرة. وربما كان يتساءل عن هويته وما يميزه. وقد يدل على اعتزازه بشيء أنجزه أو بانتماء يحبه. ومن المفيد أن يحدد قيمه الشخصية التي يريد أن يعيش بها. فالهوية الواضحة تمنح القلب طمأنينة، ولا تحتاج إلى مقارنة مع أحد.
وللمتزوج قد يتصل الحلم بهوية الأسرة وما تعتز به من عادات ومناسبات. فقد يتمنى أن يغرس في أبنائه شعورًا طيبًا بالانتماء. وربما كان الحلم تذكيرًا بأهمية المناسبات العائلية الصغيرة. والأفضل أن يصنع مع أسرته تقاليد بسيطة محببة. فالذكريات المشتركة تقوّي الألفة، وتبقى في القلب زمنًا طويلًا. وقد يكون لقاء قصير على مائدة واحدة أجمل من احتفال كبير.
وللطالب أو الموظف قد يرمز الحلم إلى فريق الدراسة أو العمل أو النادي أو شعار المؤسسة. وقد يعكس رغبة في أن يكون له دور ظاهر أو انتماء يعتز به. وربما كان إشارة إلى توتر من المنافسة أو من المقارنة. ولا يعني الحلم شيئًا عن أمور عامة، فهو قراءة شخصية بحتة. ويكفي أن يهتم بتطوير نفسه ومشاركة غيره بنية طيبة.
وللتفاصيل أثر. فاللون الهادئ يميل إلى السكينة، والألوان الزاهية تميل إلى الفرح، وكثرة الأعلام قد تدل على تعدد الانتماءات والاهتمامات. وإن كان الرائي يحمل العلم بنفسه، فقد يعبّر عن مسؤولية تجاه جماعة. وإن كان يراه من بعيد، فقد يشير إلى شوق أو رغبة في الانتماء. وإن هبّ الهواء بلطف وتحرك العلم بهدوء، فهو أدعى إلى الاطمئنان. ويبقى المعيار شعور الرائي حين يستيقظ.
ومن الناحية العملية، يفيد أن يسأل الرائي نفسه ما الذي يعتز به حقًا في حياته، وما الجماعة التي يشعر بالراحة بين أهلها. وهذا الحلم ليس نصيحة نفسية أو طبية، ولا يغني عن رأي مختص. وإذا تكررت الأحلام المزعجة، أو اشتد الخوف، أو ظهرت أعراض بعد مواقف صادمة في الواقع، فمن الأفضل التحدث مع مختص نفسي أو طبيب أو أحد الأهل أو جهة مختصة. وتساعد الراحة الكافية، وتقليل متابعة الأخبار والمشاهد المخيفة قبل النوم، على هدوء الليل. كما ينفع قضاء وقت مع من يحب في أنشطة بسيطة مريحة.
يبقى كل ما ذُكر اجتهادًا بشريًا ظنيًا، يُقصد به الفهم والتأمل لا الجزم. وحسن الظن بالله يجمع القلب على الطمأنينة، والدعاء بالسلامة وراحة البال خير ما يُختم به الأمر. وليحرص الرائي على ما ينفعه في يقظته من عمل وصلة وراحة. والغيب لا يعلمه إلا الله، والمنام لا يجعل ما يُرى فيه واقعًا. والله أعلم.
