الحلم بالعودة من الرؤى التي ترتبط بالحنين والرجوع إلى ما ألفه الإنسان من مكان أو حال أو علاقة. وهي رؤيا رمزية لا تدل على أمر خارجي، وإنما تعكس ما يشعر به الرائي من شوق إلى الاستقرار أو رغبة في استئناف أمر توقف. والأحلام المزعجة شائعة، وغالبًا ما تنتج عن توتر عابر لا عن واقع، وقد تأتي العودة في المنام كصورة مريحة بعد قلق. وقد تكون العودة إلى البيت أو إلى الأهل أو إلى عادة طيبة أو إلى مكان الدراسة. ويحسن أن يقرأ الرائي الحلم بتأمل وهدوء. فالرجوع في الأحلام كثيرًا ما يعبّر عن حاجة النفس إلى الأمان المعتاد.
من الناحية النفسية، ترمز العودة إلى رغبة في استعادة الطمأنينة والتواصل مع الجذور. فقد يمر الرائي بمرحلة تغيير أو غربة أو ضغط، فيحن عقله إلى ما كان مريحًا ومألوفًا. وقد يدل الحلم على الرغبة في إصلاح ما انقطع أو في العودة إلى عادة نافعة تركها. وربما عبّر عن حاجة إلى التوازن بعد فترة اضطراب. وقد يحمل أيضًا إحساسًا بالتصالح مع الماضي دون تعلق مفرط به. وهذه المعاني نفسية تتصل بالمشاعر لا بوقائع قادمة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الرجوع إلى المكان أو الأهل في المنام يدل على اجتماع الشمل وزوال الغربة، ويختلف المعنى بحسب حال الراجع وهيئة المكان. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن العودة بعد غياب في الرؤيا تُحمل على استقرار الحال وطيب العيش. وتعددت أقوال المعبّرين، فبعضهم ربط الأمر بالأسرة وبعضهم بالعمل والمعيشة. ولا تُؤخذ هذه الأقوال على أنها جزم. والأقرب أن تُقرأ بما يناسب حال الرائي، وأن تُعد من الإشارات العامة لا من القواطع.
للسياق أثر. فإن كانت العودة إلى بيت مألوف دافئ، فالمعنى أقرب إلى الراحة والاستقرار. وإن كان المكان مختلفًا عما اعتاده الرائي، فقد يدل على أن الماضي لا يعود كما كان وأن عليه التكيف. وإن كانت العودة بصحبة أحد، فقد ترتبط بحاجة إلى سند. وإن كانت وحده، فقد تعبّر عن رغبة في الخلوة والتأمل. وكذلك يهم أن يتذكر الرائي هل شعر بالسرور أم بالحزن عند الوصول.
وللعازب قد يعكس الحلم شوقًا إلى أهله أو إلى مدينته أو إلى مرحلة دراسية سابقة. وربما كان بعيدًا عن بيت أسرته فاشتاق إلى دفئه. وقد يدل على رغبته في استئناف دراسة أو هواية تركها. ومن المفيد أن يتواصل مع أهله وأصدقائه بين وقت وآخر. فالصلة الطيبة تخفف الغربة، ولو كانت المسافة بعيدة. وليس في الحنين ما يدعو إلى القلق، فهو من طبيعة النفس.
وللمتزوج قد يتصل الحلم بالعودة إلى بيته وأسرته بعد انشغال، أو بالعودة إلى ودّ قديم بين الزوجين. فقد يشعر بأن الأيام أخذته بعيدًا عن أهله دون أن يقصد. وربما كان يتمنى أن يستعيد دفء الجلسات الأولى. والأفضل أن يخصص وقتًا ثابتًا للأسرة بعيدًا عن الأعمال والشاشات. فالعودة الصادقة تبدأ بقرار صغير ومحبة.
وللطالب أو الموظف قد يرمز الحلم إلى العودة بعد انقطاع أو إجازة أو توقف، وإلى القلق من استئناف المهام. وقد يعكس رغبة في العودة إلى نظام نافع بعد فترة فوضى. وربما كان إشارة إلى استعداد نفسي لبداية جديدة. ولا يعني الحلم تفاصيل محددة عن المستقبل. ويكفي أن يعود تدريجيًا وبخطة مرنة تناسب طاقته.
وللتفاصيل أثر. فنور المكان وترحيب من فيه يدلان على سكينة، أما البرودة أو الغربة بين الوجوه فقد تشير إلى تغير الأحوال. وإن كان الباب مفتوحًا، فقد يرمز إلى قبول وفرصة. وإن كان مغلقًا، فقد يشير إلى حاجة إلى صبر ومحاولة هادئة. وإن لقي الرائي وجوهًا مألوفة تبتسم له، فهو أدعى إلى الاطمئنان. ويبقى الأهم شعوره عند الاستيقاظ.
ومن الناحية العملية، يفيد أن يسأل الرائي نفسه إلى ماذا يحن قلبه، وهل يمكن إحياء جزء منه في يومه بخطوة بسيطة. وهذا الحلم ليس نصيحة نفسية أو طبية، ولا يغني عن رأي مختص. وإذا تكررت الأحلام المزعجة، أو اشتد الخوف، أو ظهرت أعراض بعد مواقف صادمة في الواقع، فمن الأفضل التحدث مع مختص نفسي أو طبيب أو أحد الأهل أو جهة مختصة. وتساعد الراحة الكافية، وتقليل متابعة الأخبار والمشاهد المخيفة قبل النوم، على هدوء الليل. كما ينفع الاتصال بمن يحب والجلوس معهم في أوقات هادئة.
وفي الختام، هذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يقطع بشيء، وقد يصيب وقد يخطئ. وخير ما يفعله الرائي أن يتوكل على الله، وأن يحسن الظن به، وأن يدعوه أن يرزقه سكينة القلب وصلاح الحال. والرؤيا لا تغني عن السعي في إصلاح الحال بالأسباب المعتادة. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا ينبغي أن يُجعل المنام دليلًا على أمر لم يقع. والله أعلم بالصواب.
