قد يرى الإنسان الحرب في المنام وفيها ألوان غريبة لم يألفها، فيستيقظ وهو يتساءل عن معنى هذه الألوان. والأصل أن الرؤيا رمزية، وأن صورها لا تُقرأ بمعناها الظاهر المباشر. والأحلام المزعجة شائعة بين الناس، وغالبًا تعكس التوتر الذي تعيشه النفس لا واقعًا قادمًا. ولذلك يحسن أن يُنظر إلى غرابة الألوان بوصفها من طبيعة الأحلام التي لا تلتزم بمألوف اليقظة. وفيما يلي عرض لما قيل في هذا المعنى على سبيل الاجتهاد دون جزم.
من جهة المعنى النفسي، قد ترمز الألوان الغريبة إلى اختلاط المشاعر وتداخلها حتى يصعب تسميتها. وقد تشير إلى صراع داخلي بين أحاسيس متعارضة، كالخوف والفضول أو التعب والأمل. وقد تعبّر عن قلق من التغيير يضفي على الأشياء مظهرًا غير مألوف. وكثيرًا ما يكشف الحلم عن حاجة عميقة إلى الأمان والسلام والمصالحة مع النفس. وهذه المعاني احتمالات للتأمل ولا يُقطع بواحد منها.
نُسب إلى ابن سيرين أن الرؤيا تتأثر بحال صاحبها وما يغلب على باله، فلا يُحمل المشهد الواحد على معنى واحد عند الجميع. وذُكر عنه أن ما تكرهه النفس في المنام يُقابل بالسكينة وحسن الظن. ويُنقل أن أهل التعبير يتفاوتون في تأويل المشاهد المضطربة، فبعضهم يحملها على كثرة الهموم وبعضهم على تقلب الأحوال. ولا يلزم الأخذ بقول منها على وجه القطع. وكلها اجتهادات يحتمل فيها الصواب والخطأ.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يخالط الرؤيا من اضطراب يرجع غالبًا إلى انشغال الصدر بأمر ثقيل في اليقظة. ويمكن أن يُفهم من ذلك أن غرابة الألوان قد تكون انعكاسًا لحال غير مستقرة في الشعور. ويرى بعض المعبرين أن الحلم الذي ينتهي بهدوء أو ابتسامة يُحمل على سكينة وانفراج في الشعور. وهذه الآراء متباينة ولا تصلح أن تكون قولًا فاصلًا. ويبقى ما يشعر به الرائي بعد الاستيقاظ هو الميزان الأقرب.
يتغير المعنى بحسب السياق، فمن يراقب المشهد من بعيد غير من يجد نفسه في وسطه، ومن يشعر بالفضول غير من يشعر بالخوف. وإذا كانت الألوان زاهية دافئة، فقد يعكس ذلك مشاعر أخف وأقرب إلى الأمل. وإذا كانت قاتمة باهتة، فقد يعكس ذلك ثقلًا وتعبًا في النفس. أما إذا زالت الألوان وبقي المشهد مبهمًا فهو غالبًا عابر. وتبقى القراءة كلها رمزية، ولا تدل على وقوع شيء في الواقع.
وللألوان في الأحلام دلالة نفسية معروفة، فهي تعبّر في الغالب عن حالة المزاج لا عن شيء خارجي. وقد يجد الرائي أنه كان يشاهد قبل نومه صورًا متنوعة وأضواء متسارعة أثّرت في خياله. وقد يعكس الحلم رغبة في سكينة الألوان المألوفة وبساطتها. ولا يعني ذلك أن للألوان معنى ثابتًا لكل الناس، فهي تختلف باختلاف التجربة والذاكرة. وقد يكون في الحلم دعوة هادئة إلى تهدئة الحواس.
ومن التفاصيل المهمة شعور الرائي داخل الحلم وبعده، فالخوف الشديد غير الدهشة وغير اللامبالاة. وتؤثر في الأحلام كذلك قلة النوم وكثرة التفكير والشاشات المضيئة ومتابعة الأخبار والمقاطع المقلقة قبل النوم. ويفيد تدوين الحلم بإيجاز دون إفراط في التحليل. وإذا ارتبط بسبب واضح فإن وقعه يخف بزواله. وإذا لم يتضح سببه فلا حاجة إلى البحث الطويل عنه.
من الناحية العملية، ينبغي التأكيد على أن هذا الحلم ليس نصيحة نفسية أو طبية، وأن التفسير لا يغني عن رأي المختصين. وإذا تكررت الأحلام المزعجة أو اشتد الخوف في اليقظة أو ظهرت آثار تشبه ما يعقب المواقف الصادمة، فمن المناسب الكلام مع مختص نفسي أو طبيب أو أحد الأهل أو جهة مختصة. وتساعد الراحة المنتظمة وتقليل متابعة الأخبار والمشاهد المخيفة قبل النوم على تهدئة الأحلام. ويفيد أن تكون غرفة النوم هادئة معتمة مريحة للنظر. وهذه الخطوات البسيطة تنفع أكثر من كثرة البحث في التفاسير.
ومن الزوايا النفسية المفيدة أن يسأل الرائي نفسه أي المشاعر كانت أوضح حين استيقظ، هل هي الخوف أو الحيرة أو الدهشة. ثم يتعامل مع ذلك الشعور بما يلائمه، فيأخذ قسطًا من الراحة أو يتحدث مع من يثق به. وقد ينفع الكلام مع قريب متفهم أو صديق صادق في تخفيف الثقل. وتساعد الأذكار والمشي وتمارين التنفس الهادئ على استعادة السكينة. وكلما اطمأنت اليقظة، خفّ صخب الأحلام.
وفي الختام، كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يُبنى عليه قرار ولا يُجزم به في أمر. والغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا لا تخبر بما سيكون ولا تغيّر شيئًا من الواقع. فالأولى للرائي أن يحسن الظن بربه ويدعوه بالسكينة والطمأنينة وتيسير الأمور. ثم يمضي في يومه بقلب مطمئن وعمل نافع.
