الرؤيا في المنام صورة رمزية تتأثر بما في النفس من مسؤوليات وآمال، وليست خبرًا حرفيًا عما سيجري. وحمل بطيخة ثقيلة مشهد لافت، لأن الثقل يوحي بالجهد والتبعة، والبطيخ يوحي بالخير والعطاء، فيجتمع في الصورة معنيان يحتاجان إلى تأمل. والأجدر أن يستقبلها الرائي بهدوء، فلا هي وعد مؤكد ولا نذير. وما يلي اجتهاد في فهم المعاني المحتملة، لا يقطع بشيء من أمر الغيب. وتبقى حال الرائي وما يحمله في يقظته من أعباء هي الأصل في الفهم.
يدل البطيخ في أصل الرمز على الرزق الوفير والانتعاش والراحة بعد تعب. وهو ثمرة كبيرة ممتلئة، وكبر حجمها يوحي بسعة العطاء وبما يكفي أكثر من شخص. وثقلها في اليد يذكّر بأن الخير الكثير قد يحتاج إلى تحمل وصبر وحسن تدبير. وحلاوتها المخبوءة داخل القشرة تُفهم عند بعضهم على أنها ثمرة قريبة لمن يحسن حمل أمره. وكل ذلك احتمالات عامة تتبدل بتبدل السياق.
نُسب إلى ابن سيرين أن الثمار الكبيرة الحلوة تدل على مال طيب وراحة لمن يراها في أوانها، وأن ما يُحمل منها بيسر يُفهم منه نصيب يأتي دون عناء كبير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحمل الثقيل في المنام قد يرتبط بالمسؤولية والتبعة وما يلزم صاحبه من التزام. ويختلف المعبّرون في هذه الصور، فمنهم من يغلب جانب الخير في الثمرة ومنهم من يغلب جانب الثقل في الحمل. وحمل البطيخ تحديدًا أقل تناولًا في الكتب القديمة من رموز أخرى، فيُرجع في فهمه إلى القواعد العامة. ولذلك ينبغي ألا يُعامل أي قول قديم على أنه حاسم.
يتغير المعنى بحسب كيفية الحمل. فإذا حملها الرائي بيسر وهو مرتاح فقد يُفهم ذلك قدرة على تحمل المسؤولية وثمرة مجهود يستطيعه. وإذا كان يلهث ويكاد يسقطها فقد يعبّر ذلك عن إحساس بالضغط وتراكم الأعباء. وإذا كان يحملها إلى بيته فقد يتصل بالرزق الذي يعود به إلى أسرته. وإذا كان يحملها إلى غيره فقد يرتبط بعطاء أو ضيافة أو أداء واجب.
وللرائية العزباء قد يُفهم حمل الثمرة الثقيلة أمل تتحمل في سبيله جهدًا وانتظارًا وتحسن الاستعداد له. وللمتزوجة قد يتصل بمسؤوليات البيت وكثرة الانشغال، مع ما فيها من بركة. وللحامل قد يكون انعكاسًا لشعور الثقل الطبيعي في تلك المرحلة، وهو تأمل رمزي لا علاقة له بأي معلومة طبية، والمرجع في صحتها طبيبها. وللمطلقة والأرملة قد يشير إلى قدرة على الاستقلال بتدبير أمورها وتحمل مسؤولياتها بصبر.
وللرجل والشاب والتاجر والطالب معانٍ قريبة. فالرجل قد يُفهم من الحمل الثقيل عنده تبعات الأسرة والعمل التي يقوم بها. والشاب قد يعبّر ذلك عن طموح يتطلب جهدًا. والتاجر قد يعني عنده بضاعة أو التزامًا يحتاج إلى حسن إدارة. والطالب قد يعني عنده حجم المقرر وثقل الواجبات التي تنتظر ثمرة اجتهاده، وكلها قراءات احتمالية.
ومن التفاصيل الدقيقة طول المسافة التي حملها والمكان الذي وصل إليه. فإذا وصل بالثمرة سالمة فقد يُقرأ ذلك على أنه إتمام أمر بعد مشقة. وإذا وضعها في مكان مريح وجلس إلى جوارها فقد يدل على راحة تعقب الجهد. وإذا سقطت منه وانفتحت فتلك صورة أخرى لها باب مستقل. وإذا ساعده أحد في حملها فقد يشير إلى سند يأتيه من قريب أو صديق.
ومن الزاوية النفسية العملية فإن الأحلام التي فيها حمل ثقيل تأتي كثيرًا حين يشعر الإنسان بكثرة المسؤوليات. وقد تكون الصورة دعوة لطيفة إلى ترتيب الأعباء، وتوزيعها على من يعين، وعدم الاستسلام لشعور الإرهاق. والأنفع أن يكتب الرائي ما يثقله ويرتبه بحسب الأولوية، وأن يطلب العون ممن حوله. ولا بأس أن يأخذ استراحة قصيرة حين يشعر بالتعب، فالجسد والنفس يحتاجان إلى ذلك.
وإذا كان الحمل في الحلم مبهجًا فلا بأس بتفاؤل معتدل، فالثقل هنا ثقل الخير والعطاء. وإذا كان مرهقًا فقد يعبّر ذلك عن حاجة إلى تخفيف الأعباء لا أكثر. ولا ينبغي أن يُبنى على الحلم قرار مهم في المال أو العمل أو الأسرة. وحسن التدبير والمشورة الأمينة أنفع من أي تأويل.
وختامًا فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن الأخذ بالأسباب والتخطيط. والأولى بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يخفف عنه أعباءه ويجعل ما رآه خيرًا وبركة. فإن كان في الحلم ما أفرحه فليحمد الله عليه، وإن كان فيه ما أقلقه فلا يجعله سببًا للهم. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه من التأويل مجرد محاولة لفهم الرموز. والله أعلم بالصواب.
