الرؤيا في المنام صورة رمزية تتشكل من ذكريات النفس وما تشتاق إليه، وليست خبرًا حرفيًا عما سيقع. وحين يرى كبير السن بطيخًا في منامه فقد يستحضر معه أيامًا قديمة من مجالس الأهل والمواسم الطيبة. والأجدر أن يستقبل الصورة بطمأنينة وأن يرى فيها أنسًا لا أكثر، فلا هي نذير ولا وعد مؤكد. وما يلي اجتهاد في فهم المعاني المحتملة، وليس نصيحة طبية ولا حكمًا على حال الرائي الصحية. وإذا تعلق الأمر بالصحة فالمرجع هو الطبيب المتابع.
يدل البطيخ في أصل الرمز على الانتعاش والراحة والخير الذي يأتي هادئًا بعد طول صبر. وهو ثمرة كبيرة تُقسم بين الجالسين، فيوحي بالألفة وبالأسرة المجتمعة حول المائدة. وحلاوته المخبوءة داخل القشرة تُفهم عند بعضهم على أنها ثمرة سنين من العمل والتربية تظهر آخر الأمر. ويرتبط بالفرح الموسمي وبذكريات الأيام الصافية. وكل ذلك معانٍ عامة تتغير بتغير السياق وحال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن الثمار الحلوة الطرية تدل على خير قريب وراحة في الحال لمن يراها في أوانها، وأن الأكل منها بسكينة يُفهم منه نصيب يأتي بيسر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الثمار الممتلئة تشير إلى سعة وبركة وسلامة بال. ويختلف المعبّرون في ألوان الثمار وأطعمتها وأحجامها، فلا يجتمعون على قول واحد. والبطيخ بعينه أقل تناولًا في الكتب القديمة من رموز أكثر شهرة، فيُرجع في فهمه إلى القواعد العامة وحال الرائي. فلا يُعدّ أي قول قديم حاسمًا في شأن أحد.
للسياق أثر كبير. فإذا رأى كبير السن البطيخ في بيته وبين أولاده وأحفاده فالمعنى أقرب إلى الاجتماع والبركة التي تحيط به. وإذا رآه في بيت قديم أو قرية يعرفها فقد يعبّر ذلك عن حنين إلى أيام مضت. وإذا رآه في مكان هادئ فقد يُفهم حاجة إلى السكينة والراحة. وإذا قُدم له من أحد فقد يدل على بر وعناية من حوله.
لكبير السن يربط بعض المعبّرين الثمار الحلوة بثمرة العمر الطويل من أولاد صالحين وسمعة طيبة وأثر حسن. وقد يُفهم منها أيضًا راحة بال وانشراح بعد سنين طويلة من الكدّ. ويقرؤها آخرون على أنها شوق إلى لمّة الأهل ورغبة في القرب منهم. ولا ينبغي أن يُعدّ المنام توقعًا لأمر محدد في الصحة أو غيرها. ويكفي أن يؤخذ منه معنى الأنس والتفاؤل المعتدل.
ومن التفاصيل الدقيقة حال الثمرة وشعور الرائي. فإذا كان لبّها أحمر هادئ اللون وطعمها حلوًا فقد يُفهم ذلك رضًا وطمأنينة. وإذا كان الطعم باهتًا فقد يعبّر ذلك عن شعور بالفتور أو الاشتياق لما فات، وهو شعور إنساني مفهوم. وإذا قسمها على أحفاده فقد يدل على محبة تجمع الأجيال وعلى بقاء الأثر الطيب. وإذا لم يستطع حملها لثقلها فقد يعكس إحساسًا بتعب الجسد، لا أكثر.
وقد تكثر الأحلام عند كبير السن لأسباب كثيرة، منها تقطع النوم وتغير الأدوية واستحضار الذكريات. فلا يصح أن تُحمّل الصورة الواحدة أكثر مما تحتمل. والأجدر أن يقرأ الرائي الجميل منها على أنه لطف يؤنسه، وأن يترك ما سواه. وإذا أزعجته أحلام متكررة فيحسن أن يذكر ذلك لمن يتابع حالته ليطمئنه. فالراحة النفسية جزء مهم من العناية به.
ومن الجانب العملي والنفسي فإن أنفع ما يحيط به أهله كبير السن هو القرب منه والاستماع إليه والسؤال عن أحواله. وكثيرًا ما يكون الحلم بابًا لذكريات يحب أن يرويها، فيحسن أن يُترك له المجال ليحكي بما يشاء. وهذا الإنصات أنفع من أي تأويل. ويمكن أن يجتمع الأهل حول ثمرة بطيخ حقيقية إن شاؤوا، ليجعلوا من الحلم سببًا لجلسة دافئة. وذلك دون أي ادعاء بأن للثمرة أثرًا على الصحة.
ومن اللطيف أن يُنظر إلى هذا الرمز على أنه ذكرى حلوة تعود إلى صاحبها في هيئة ثمرة. وهذا فهم نفسي بسيط لا يتضمن وعدًا ولا نذيرًا. وإذا ابتسم الرائي حين تذكره فقد أدى الحلم معناه الطيب. ويكفيه أن يأخذ منه جرعة سكينة، ثم يعود إلى يومه المعتاد في هدوء.
وختامًا فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن الأخذ بالأسباب والرعاية المناسبة. والأولى بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يختم له بخير ويجعل أيامه سكينة وبركة. فإن كان في الحلم ما أفرحه فليحمد الله عليه، وإن كان فيه ما أقلقه فلا يجعله سببًا للهم. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه من التأويل مجرد محاولة لفهم الرموز. والله أعلم بالصواب.
