الرؤيا في المنام صورة رمزية تتأثر بحال الإنسان وما يشغله، وليست توقعًا حرفيًا لما سيحدث. والمرأة الحامل تمر بمرحلة حساسة تكثر فيها الأحلام وتتنوع، فيصير للبطيخ في منامها حضور يلفت الانتباه. وأول ما ينبغي بيانه أن هذا المقال تأمل في الرموز فقط، وليس نصيحة طبية ولا تشخيصًا ولا مصدرًا لمعلومة صحية عن الحمل. وكل ما يتعلق بصحتها وصحة حملها يُرجع فيه إلى الطبيب المتابع لها وحده. أما ما يلي فاجتهاد في فهم المعاني المحتملة لمنام ربما كان انعكاسًا لشعور طبيعي بالترقب.
البطيخ في الجملة رمز للانتعاش والعطاء والخير الذي يأتي بعد انتظار، فهو ثمرة كبيرة ممتلئة تُقدَّم في الأوقات الحارة وتفرح بها المجالس. وهو ثمرة تحتفظ بلبّها داخل قشرتها، فتوحي عند بعضهم بالأمور المرتقبة التي لم يظهر وجهها كاملًا بعد. وحجمه المستدير الممتلئ قد يستدعي في الخيال معاني الاكتمال والسعة. ويرتبط كذلك بالضيافة والاجتماع وبفرح الأسرة بموسم طيب. وتبقى هذه كلها إشارات عامة لا يصح الجزم بها ولا بناء قرار عليها.
نُسب إلى ابن سيرين أن الثمار الطرية الحلوة تدل على خير يأتي بيسر لمن يراها في أوانها، وأن الأكل منها بهدوء يُفهم منه نصيب طيب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الثمار الممتلئة تشير إلى سعة وراحة وبشرى تتصل بالأهل. ويختلف المعبّرون في كثير من التفاصيل، فلا يجتمعون على معنى واحد لكل ثمرة وكل لون وكل طعم. والبطيخ بعينه أقل تناولًا في الكتب القديمة من رموز أخرى كثيرة التداول، ولذلك يُفهم من القواعد العامة وبحسب حال الرائية. وأما ربط الثمار بتحديد نوع المولود أو بتوقع أمور الحمل فلا تثبت به قاعدة يُعتمد عليها، فيُترك الأمر دون تكلف.
للسياق أثر كبير في فهم الحلم. فإذا كان البطيخ في بيتها وبين أهلها فالمعنى أقرب إلى الاطمئنان وحسن الصحبة والدعم المحيط بها. وإذا كانت تتناوله بهدوء وتشعر بالانتعاش فذلك يُقرأ عند كثيرين على أنه راحة نفسية بعد تعب. وإذا ظهر في مكان بعيد فقد يشير إلى أمل ينتظر أوانه. وإذا أحاط بها بكثرة فقد يوحي بسعة الخير والدعم من حولها، أو بكثرة الانشغال بالتحضيرات.
للحامل خصوصية في قراءة الأحلام، لأن كثيرًا مما تراه يتصل بمشاعرها اليومية. فقد ينعكس في منامها ما تشتهيه من طعام وما تسمعه من عائلتها وما تنتظره من تجهيزات واستعداد. وقد يكون البطيخ إشارة لطيفة إلى ما تتمنى من راحة وانتعاش في أيام الحمل. ويقرؤه بعض المعبّرين على أنه خير للبيت وعافية مرجوة، غير أن ذلك رجاء وليس وعدًا. وينبغي أن تتذكر أن الأحلام لا تغني عن زيارات المتابعة ولا عن إرشادات الطبيب.
ومن التفاصيل الدقيقة حال الثمرة وطعمها وطريقة وصولها. فإذا قُدمت لها في طبق من أحد أهلها فقد يدل ذلك على عناية محيطة بها. وإذا كانت الثمرة ناضجة ولبّها أحمر هادئ فقد تُقرأ على أنها بشارة بأمر اكتمل وقته. وإذا كان طعمها باهتًا فقد يشير إلى حاجة إلى مزيد من الصبر والراحة، دون أن يعني ذلك سوءًا. وأما اختلاف شكل الثمرة وحجمها بين مشهد وآخر في الحلم فهو من تداخل الصور ولا يُبنى عليه شيء.
وإذا اختلطت في الحلم مشاعر الفرح بمشاعر الخوف فذلك طبيعي في مرحلة الترقب. فكثير من الحوامل يرين صورًا متقلبة لا تحمل معنى محددًا، وإنما تعبّر عن اشتياق وقلق ممزوجين. والأجدر ألا يتحول الحلم إلى مصدر توتر أو انتظار لعلامة معينة. ويكفي أن تتذكر أن الصورة الحلوة لا تثبت أمرًا، وأن الصورة المقلقة لا تثبت ضدّه. وهذا الفهم يخفف عنها ويمنحها هدوءًا ينفعها في أيامها.
ومن الجانب العملي والنفسي فإن النوم المريح وتنظيم الأيام والمشاركة مع الزوج والأهل أنفع من الانشغال بتأويل الأحلام. ويمكن أن تكتب الرائية ما رأته إن أرادت ثم تتركه، وألا تعيد التفكير فيه كثيرًا. وإن لازمتها أحلام مقلقة متكررة أو أرق أو توتر شديد فالأنسب أن تذكر ذلك لطبيبها أو لمختص يطمئنها. فالراحة النفسية جزء من العناية بها، وليست رفاهية.
وقد يفرح الأهل بالحلم فيكثرون من الأسئلة والتأويلات، وقد يستعجلون في الجزم. والأحسن أن تستقبل الحامل ذلك بابتسامة وهدوء دون أن تتبنى كل ما يُقال. فالمعبّر الصادق نفسه يقول إن علمه ظنون واحتمالات. وفي الاكتفاء بالمعنى العام الجميل سلامة للقلب وحسن ظن بما هو آتٍ.
وختامًا فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس فيه ما يغني عن الرعاية الطبية المنتظمة. والأولى بالرائية أن تحسن الظن بالله وأن تدعو بأن يتم عليها الخير وأن يجعل أيامها طمأنينة وسلامة. فإن كان في الحلم ما أفرحها فلتحمد الله عليه، وإن كان فيه ما أقلقها فلا تجعله سببًا للخوف. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه من التأويل مجرد محاولة لفهم الرموز. والله أعلم بالصواب.
