الرؤيا في المنام صورة رمزية تتأثر بما في القلب من مشاعر، وليست خبرًا حرفيًا عما سيقع. وحين يرى الحزين أو المهموم بطيخًا في منامه فقد يجد في الصورة بصيص أنس وسط ثقل الأيام. والأجدر أن يستقبلها برفق وألا يحمّلها فوق ما تحتمل، فلا هي وعد مؤكد ولا هي بديل عن العناية بنفسه. وما يلي اجتهاد في فهم المعاني المحتملة، وليس نصيحة نفسية متخصصة ولا علاجًا لحال. وإذا اشتد الحزن أو طال فالأنسب أن يطلب صاحبه عون مختص أو شخص أمين من أهله.
يدل البطيخ في أصل الرمز على الانتعاش والراحة والخير الذي يأتي بعد صبر طويل. وهو ثمرة كبيرة تُقسم بين الجالسين، فيوحي بالألفة والسند وبحضور الأحبة حول المائدة. وحلاوته المخبوءة داخل القشرة تُفهم عند بعضهم على أنها فرج كامن ينتظر أوانه. ويرتبط بالأيام الصافية والفرح الموسمي. وكل ذلك معانٍ عامة تتغير بتغير السياق وحال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن الثمار الحلوة الطرية تدل على خير قريب وراحة في الحال لمن يراها في أوانها، وأن الأكل منها بسكينة يُفهم منه نصيب يأتي بيسر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الثمار الممتلئة تشير إلى سعة وبركة وانفراج بعد ضيق. ويختلف المعبّرون في ألوان الثمار وأطعمتها وأحجامها، فلا يجتمعون على قول واحد. والبطيخ بعينه أقل تناولًا في الكتب القديمة من رموز أكثر شهرة، فيُرجع في فهمه إلى القواعد العامة وحال الرائي. فلا يُعدّ أي قول قديم حاسمًا في أمر الهموم.
للسياق أثر كبير. فإذا رأى الحزين البطيخ في بيته وبين أهله فالمعنى أقرب إلى الدعم والمؤانسة التي يحتاجها. وإذا رآه في مكان هادئ وهو يشعر بالارتياح فقد يُفهم ذلك حاجة نفسية إلى السكينة. وإذا رآه بعيدًا فقد يشير إلى أمل يحتاج إلى صبر. وإذا قُدّم له من أحد فقد يدل على قرب من يحبونه ورغبتهم في التخفيف عنه.
للمهموم يميل بعض المعبّرين إلى قراءة الثمار الحلوة على أنها بشارة معنوية بانفراج الحال وتبدل المزاج وعودة الأنس. وقد يكون الحلم تعبيرًا بسيطًا عن حاجة النفس إلى الراحة والفرح الصغير. وقد يرتبط بذكرى جميلة من مجالس العائلة في الأيام الصافية. ولا ينبغي أن يُجعل المنام وعدًا بزوال الهم في موعد معين، فالفرج يأتي بتدرج وأسباب. ويكفي أن يؤخذ منه معنى التفاؤل المعتدل.
ومن التفاصيل الدقيقة حال الثمرة وطعمها. فإذا كان لبّها أحمر هادئ اللون وطعمها حلوًا فقد يُفهم ذلك انشراحًا يتسع شيئًا فشيئًا. وإذا كان الطعم باهتًا فقد يعبّر ذلك عن إحساس بالفتور الذي يرافق الحزن، وهو شعور إنساني مفهوم. وإذا شاركه أحد الثمرة فقد يدل على أن في حياته من يسانده. وإذا لم يستطع فتحها فقد يعكس شعورًا بثقل الأمر، لا أكثر.
وقد تتلون أحلام صاحب الهم بحالته، فيرى صورًا متقطعة يختلط فيها الحلو بالمقلق. وهذا طبيعي ولا يعني أن في الصورة رسالة خفية. والأجدر ألا يتعلق بتفسير واحد ولا يُكثر من البحث عن غيره. فالنفس المتعبة تحتاج إلى سكينة أكثر مما تحتاج إلى تأويل. ويكفيه من المنام ما أدخل إليه ابتسامة ولو صغيرة.
ومن الجانب العملي والنفسي فإن الأنفع لمن أثقله الهم أن يحافظ على نومه وطعامه وحركته المعتدلة، وأن يبقى على صلة بأهله وأصدقائه. وإذا وجد من يستمع إليه بصدق فالكلام معه قد يخفف عنه كثيرًا. وإذا طال الحزن أو أثّر في عمله وحياته فطلب المساعدة من مختص نفسي أمر محمود لا حرج فيه. ويمكن أن يجعل صورة البطيخ تذكيرًا بأن بعد الحرّ ظلًا، وبأن الأيام تتبدل.
ومن المفيد أن يعرف الرائي أن الهم لا يُقاس بحلم ولا يزول بتفسير، وأن ما يخففه في الغالب هو مجموع أمور صغيرة متراكمة. فالبقاء مع الأهل، والمشي في الهواء الطلق، والانشغال بعمل نافع، والحرص على الصلات الطيبة، كلها أسباب تعين على استعادة التوازن. وصورة البطيخ قد تذكّره بأن في الحياة مواسم حلوة تأتي بعد مواسم ثقيلة. وإذا ظل يتذكر هذا المعنى اللطيف دون أن يتعلق بحرفية الصورة فقد انتفع بها. وهذا القدر كافٍ لمن يريد أن يستأنس بالحلم دون أن يثقل نفسه بتأويله.
وختامًا فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن الأخذ بالأسباب وطلب العون عند الحاجة. والأولى بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يفرّج همه ويجعل أيامه سكينة وخيرًا. فإن كان في الحلم ما أفرحه فليحمد الله عليه، وإن كان فيه ما أقلقه فلا يجعله سببًا لمزيد من الهم. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه من التأويل مجرد محاولة لفهم الرموز. والله أعلم بالصواب.
