الرؤيا في المنام صورة رمزية تتأثر بحال صاحبها وما يشغله، وليست خبرًا حرفيًا عن رحلة أو طريق. وحين يرى المسافر بطيخًا في منامه فقد يشعر بالأنس، لأن الثمرة ترتبط في الأذهان بالانتعاش في الأسفار الحارة. والأجدر أن يقرأ الصورة بهدوء وألا يبني عليها قرارًا في السفر أو الإقامة أو العمل. وما يلي اجتهاد في فهم المعاني المحتملة، وليس حكمًا قاطعًا. وحال المسافر الواقعية وظروف رحلته هي الأصل في أي فهم.
يدل البطيخ في أصل الرمز على الانتعاش والراحة والخير الذي يأتي بعد تعب. وهو ثمرة كبيرة تُقسم بين الرفاق، فيوحي بالضيافة والكرم وحسن الصحبة. وحلاوته المخبوءة داخل القشرة تُفهم عند بعضهم على أنها خير ينتظر في آخر الطريق. ويرتبط بالمواسم والرحلات والاستراحات على جانب الطرق. وكل ذلك معانٍ عامة تتغير بتغير السياق.
نُسب إلى ابن سيرين أن الثمار الحلوة الطرية تدل على خير قريب وراحة في الحال لمن يراها في أوانها، وأن الأكل منها بسكينة يُفهم منه نصيب يأتي بيسر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الثمار الممتلئة تشير إلى سعة وبركة وسلامة في الأمر. ويختلف المعبّرون في ألوان الثمار وأطعمتها وأحجامها، فلا يجتمعون على قول واحد. والبطيخ بالتحديد أقل تناولًا في الكتب القديمة من رموز أكثر شهرة، فيُرجع في فهمه إلى القواعد العامة وحال الرائي. فلا يُعدّ أي قول قديم حاسمًا في أمر السفر.
للسياق أثر كبير. فإذا رأى المسافر البطيخ في مكان غريب عنه فقد يُفهم ذلك أنسًا في الغربة أو حاجة إلى طمأنينة وسط الجديد. وإذا رآه في بيته الذي سافر عنه فقد يعبّر ذلك عن شوق إلى الأهل وأجواء الاجتماع. وإذا رآه على الطريق أو في محطة استراحة فقد يرتبط بما يتمناه من راحة وتيسير. وإذا قُدّم له من أهل البلد فقد يدل على حسن استقبال وتعاون.
للمسافر يربط بعض المعبّرين الثمار الحلوة بسهولة الأمر وانتهاء المشقة وحسن الصحبة في الطريق. وقد يُفهم منها أيضًا رزق يأتي من السفر أو علاقة طيبة تتكون هناك. ويقرؤها آخرون على أنها شوق إلى الاستقرار وراحة البال. ولا ينبغي أن يُبنى عليها تغيير في موعد السفر أو في خطة الرحلة. فالسلامة تُطلب بالأسباب كالتخطيط والتأكد والتزام التعليمات.
ومن التفاصيل الدقيقة حال الثمرة وطريقة التعامل معها. فإذا قسمها مع رفاقه فقد يوحي بصحبة طيبة وتعاون في الطريق. وإذا اشتراها من بائع في سوق فقد يتصل بحسن التدبير وبالتعرف على أهل المكان. وإذا فتحها فظهر لبّها أحمر هادئ اللون فقد يُفهم ذلك أمرًا يتضح بعد غموض. وإذا كان طعمها باهتًا فقد يشير إلى حاجة إلى مزيد من الصبر في أمر لم يكتمل.
ومما يؤثر في المعنى كذلك اتجاه الحلم ومكانه. فالبطيخ الذي يظهر في بداية الرحلة قد يعبّر عن تفاؤل بما هو آتٍ. والذي يظهر في آخرها قد يعبّر عن راحة وشوق إلى الأهل. وإذا كان محمولًا مع المسافر في متاعه فقد يدل على استعداد وحسن تجهيز. وإذا سقط أو تدحرج في الحلم فقد يكون تذكيرًا بالحرص على الأمتعة دون أن يعني سوءًا. وتبقى هذه ظنونًا تُقدَّم بحذر.
ومن الزاوية النفسية العملية فإن المسافر يمر بتغير في الأكل والنوم والمكان، فتكثر الأحلام وتتداخل الصور. وقد يكون البطيخ صدى لطعام مألوف يشتاق إليه أو لموسم ترك أهله فيه. وفي هذه الحال لا يحتاج الحلم إلى تأويل بعيد. والأنفع أن يعتني بنومه وراحته ويتواصل مع أهله، فإن ذلك يخفف أثر الغربة. ولا بأس أن يجعل من الصورة ابتسامة صغيرة في يوم طويل.
وقد يحسن به أن يتذكر أن الأحلام في السفر لا تُقاس بها سلامة الطريق ولا يُستدل بها على موعد وصول. فسلامة الرحلة تُطلب بالأخذ بالأسباب، كمراجعة الأوراق والتأكد من وسيلة النقل والتزام قواعد الأمان. وإذا كان الحلم مبهجًا فلا بأس بتفاؤل معتدل. وإذا كان مقلقًا فلا يلزم أن يشغل ذهنه به. وخير ما يفعله أن يمضي في أمره بهدوء وتوكل.
وختامًا فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن الأخذ بالأسباب والاحتياط. والأولى بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يجعل سفره خيرًا وسلامة وأن يرده إلى أهله بخير. فإن كان في الحلم ما أفرحه فليحمد الله عليه، وإن كان فيه ما أقلقه فلا يجعله سببًا للهم. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه من التأويل مجرد محاولة لفهم الرموز. والله أعلم بالصواب.
