قد يرى كبير السن في منامه فستانًا أبيض، فتأخذه الصورة إلى ذكريات بعيدة وأيام مضت. والأحلام في الأصل رموز تتأثر بما في الذاكرة من مشاهد وبما يشغل القلب في يومه. ولذلك يحسن أن تُستقبل هذه الرؤيا بهدوء وبلا انشغال مبالغ فيه بمعناها. وكل ما يُذكر هنا اجتهاد في فهم الرمز يُقصد به التأمل لا الجزم. ومن بلغ سنًا كبيرة فقد جرّب الأيام وعرف أن الصور تمر وأن الحال أهم من الحلم.
الفستان الأبيض في عالم الرموز يوحي بالنقاء والبدايات الجديدة وحسن الهيئة. وهو يرتبط بذكرى المناسبات السعيدة التي يجتمع فيها الأهل والأحباب. وكبير السن كثيرًا ما تعود به الذاكرة إلى أفراح قديمة، فيظهر هذا الرمز في منامه كصدى لتلك المشاهد. وليس في ذلك أمر مستغرب، فالذاكرة تحفظ الصور الجميلة وتعيدها حين تشاء. ويبقى المعنى مفتوحًا يتغير بتغير الرائي وشعوره.
نُسب إلى ابن سيرين أن الثياب الحسنة في المنام تدل على حسن الحال وستر الأمر، وأن البياض يميل إلى الصفاء. وذُكر في بعض ما نُسب إليه أن اللباس يعبّر عن هيئة صاحبه وما هو عليه بين أهله. ولا يُعرف على وجه اليقين نص خاص بالفستان الأبيض في رؤيا كبير السن. ولهذا تُعد هذه الأقوال إشارات عامة تُستأنس بها ولا تُبنى عليها توقعات. وللرائي أن يأخذ منها ما يريح قلبه ويدع ما سواه.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الثوب يعبّر عن حال لابسه وسمعته وما يُعرف به. وفُهم من ذلك أن الثوب الأبيض الحسن قد يشير إلى طيب الذكر وحسن العشرة. وتتباين آراء المفسرين بعد ذلك، فبعضهم يميل إلى المعنى الظاهر وبعضهم إلى الجانب النفسي والذكريات. وهذا التباين يدل على أن التأويل اجتهاد بشري يعتريه الخطأ. فمن اطمأن إلى قول أخذ به، ومن لم يطمئن فلا حرج عليه.
يتغير فهم الرؤيا بتغير سياقها، فالفستان الذي يُرى في بيت الأسرة القديم غير الفستان الذي يُرى في مكان غريب. وإذا شعر الرائي بالسكينة والفرح فقد يميل المعنى إلى الحنين والرضا. وإذا شعر بالحزن أو الاضطراب فقد يعكس ذلك شوقًا إلى من غابوا عن الأنظار أو قلقًا من وحدة. كما أن قلة النوم وتغير مواعيده والأدوية قد تلوّن الأحلام بألوان مختلفة. فالأصل أن تُقرأ الرؤيا في ضوء الحال لا بمعزل عنه.
كبير السن الذي يرى فستانًا أبيض قد يكون يتذكر مناسبة عائلية قريبة أو بعيدة، كفرح حفيدة أو ابنة أو قريبة. وقد يعبّر الحلم عن حبه لأسرته ورغبته في أن يرى أبناءه وأحفاده في أحسن حال. وقد يدل في بعض القراءات على حاجة إلى الأنس والصحبة وإلى جلسات عائلية دافئة. وقد يكون مجرد إعادة لصورة رآها في يقظته أو سمع عنها من أهل بيته. ولا يصح اعتبار الرؤيا خبرًا عن أمر قادم، فهي صورة رمزية لا غير.
ومن التفاصيل المؤثرة في الفهم لون الفستان ونظافته ومكانه وما إذا كان جديدًا أو قديمًا. فالفستان القديم المحفوظ قد يُقرأ على أنه ذكرى عزيزة، والجديد قد يشير إلى تطلع إلى صفحة هادئة في الأيام المقبلة. وإذا كان بيد قريبة فقد تتجه القراءة إلى ما بين الرائي وتلك القريبة من مودة. وإذا كان معلقًا في بيت مألوف فقد يشير إلى أن المكان يمنحه الطمأنينة. وكلها قراءات رمزية مفتوحة لا تُبنى عليها نتائج مؤكدة.
وقد يكون الحلم أثرًا لما مر به الرائي في يقظته، فالعقل يعيد ترتيب الصور والذكريات أثناء النوم. وكثيرًا ما تأتي الصور الجميلة لتؤنس النفس دون أن يكون لها معنى أبعد من ذلك. وليس في الأمر ما يدعو إلى القلق أو إلى التعلق الزائد بالتفسير. وإن شعر الرائي بأن الصورة تشغله فليقصها على أحد أحبابه بهدوء وليجعلها مدخلًا لجلسة طيبة. فالأنس بالأهل أولى بالانتباه من تفاصيل المنام.
من الناحية العملية والنفسية يفيد كبير السن أن يحافظ على نوم منتظم وحركة خفيفة وصحبة طيبة وزيارات الأهل. ويفيد أن يتحدث مع ابن أو ابنة أو صديق يثق به حين تثقل عليه الأفكار. وإذا زاد القلق أو الحزن أو أثّر في نومه وراحته فالأفضل أن يستشير مختصًا أو طبيبه. والحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية ولا يغني عن استشارة أهل الاختصاص. والتأمل الهادئ مع الدعاء أنفع من كثرة البحث والتخمين.
يبقى كل ما ذُكر اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يتحول إلى يقين. والمؤمن يحسن الظن بالله ويدعو بأن يجعل كل رؤيا خيرًا وأن يصرف عنه القلق. فإن رأى ما يسره فليحمد الله، وإن رأى ما يزعجه فلا يعطه أكثر من حجمه. وعلم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الأحلام إلا صور يتأملها الإنسان بهدوء. اللهم اجعل لكل كبير في أحلامه وأيامه طمأنينة وخيرًا.
