قد يرى النائم فستانًا أبيض يسير به أحدهم في الطريق، أو يمشي هو به بين الأرصفة والمارة، فيتأمل ما في المشهد من حركة. والرؤيا رمزية في أصلها، تتأثر بالمشاعر والأفكار والمشاهد القريبة من النوم، ولا تُعدّ إخبارًا جازمًا بأمر قادم. والطريق تفصيل يضيف إلى البياض معاني السعي والانتقال والتقدم نحو مرحلة. وقد تناول المفسرون الطرق في المنام بأقوال تربطها بمسالك الحياة واختيار الاتجاه. وفيما يلي عرض متزن لما قيل، مع التذكير بأن التأويل اجتهاد ظني.
الفستان الأبيض يرتبط بالصفاء والبدايات الجديدة والمناسبات التي يتهيأ لها الإنسان بثياب لائقة. وحين يكون في الطريق فإن الصورة توحي بالحركة نحو شيء، وبمرحلة انتقالية بين ما كان وما سيكون. وقد يرمز الطريق إلى مسار الرائي وما فيه من محطات وتغيرات. وقد يعبر كذلك عن أن الاستعداد يُجرى أثناء السعي لا في مكان ثابت. ولا يلزم من ذلك وقوع أمر محدد، فهي قراءة عامة تقبل التعدد.
نُسب إلى ابن سيرين أن الطريق في المنام قد يدل على المسلك الذي يسلكه الرائي في أمور دينه ودنياه، وأن سهولته واستقامته دليل على يسر الأمر. ويُفهم من ذلك أن الفستان الأبيض في الطريق من الصور التي تحتمل السعي والتقدم على سبيل الاحتمال. ويُذكر عند بعض الشراح أن الطريق الواسع المضيء أفضل من الضيق الوعر، وأن النظافة تدل على صلاح. وتختلف الكتب في نسبة هذه الأقوال وألفاظها، فلا يصح الجزم بحرفيتها. ولذلك تُقرأ بحذر وتواضع.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المشي في الطريق الممهد يدل على سلاسة الأمر، وإلى أن البياض يزيده صفاءً. وذكر بعضهم أن الثوب الأبيض الذي يُحمل في الطريق قد يدل على أمر يُسعى فيه ويُهتم به. وفي المقابل رأى آخرون أن الطريق الوعر أو الموحل قد يدل على صعوبة تحتاج إلى صبر وتأنٍّ. وهذا الاختلاف يؤكد أن المعنى يتبع الشعور والسياق. ومن ثم فالأولى أن تُجمع الأقوال ولا يُرجَّح إلا بقرينة.
يتغير المعنى بحسب الشعور المصاحب، فمن رأى الفستان في الطريق وهو يسير بخفة فالصورة أقرب إلى الاستعداد والتقدم. ومن رآه وهو يخاف عليه من الغبار أو الازدحام فقد تعكس الرؤيا حرصًا على صفاء أمر وسط مشاغل الحياة. ويؤثر حال الطريق، فالمعبد الهادئ يدل على يسر، والمزدحم قد يدل على تشتت. ويؤثر الوجهة، هل هي معروفة أم غامضة، وهل في الطريق ما يضيء الخطوات. وكل ذلك يؤخذ على وجه التقدير لا القطع.
للفتاة قد تدل الرؤيا على مرحلة انتقال في دراسة أو عمل أو حياة، وقد تكون أثر رحلة قريبة أو مشي طويل. وللمرأة المتزوجة قد تدل على ما تقطعه من مشاوير وواجبات يومية، أو على رغبة في تغيير المسار بهدوء. وللطالبة قد تشير إلى سعي نحو هدف دراسي. وللأم قد تعبر عن مرافقتها لأبنائها في مراحلهم. وتبقى هذه التأويلات احتمالية لا تعني حدثًا بعينه.
أما الرجل فقد يرى الفستان في الطريق، فتُقرأ الصورة بحسب علاقته بمن يراها واهتمامه بشأنها. وقد يعبر الحلم عن سعيه نحو أمر مهم ينقله من حال إلى حال. ومن كان يعمل في التوصيل أو التجارة المتنقلة فقد يكون الحلم من أثر عمله. وللأب قد تكون الصورة امتدادًا لتفكيره في طريق ابنته ومستقبلها الدراسي أو المهني. ولا يُتخذ من ذلك قرار دون تدبر.
من التفاصيل المؤثرة سلامة الطريق ونظافته وإضاءته، وسرعة المشي أو بطؤه، وهل يحمل الرائي الفستان أم يلبسه، وهل في الطريق من يرافقه. فإذا كان الطريق نظيفًا مضيئًا فذلك أقرب إلى الدلالات الحسنة. وإذا كان به حفر أو ماء فقد تُقرأ الصورة على أنها حاجة إلى الحذر. وإذا كان معه من يمسك الذيل أو يدلّه فقد يدل على عون ورفقة. ويحسن أن يربط الرائي هذه التفاصيل بحاله.
من الجانب العملي والنفسي قد يكون هذا الحلم أثرًا لمشاوير مزدحمة أو لتفكير في مرحلة انتقالية قريبة. ويمكن للرائي أن يرسم لنفسه خطوات صغيرة واضحة نحو ما يريد، فيمشي إليها بهدوء. ولا يُبنى على رؤيا واحدة قرار مصيري. وليس هذا الكلام نصيحة طبية ولا نفسية، ومن اشتد عليه القلق فليستشر مختصًا. والدعاء مع حسن التدبير أنفع من الانشغال بالرموز.
خلاصة القول أن الفستان الأبيض في الطريق رمز يحتمل السعي والانتقال بين المراحل، ويحتمل أيضًا حرصًا على صفاء أمر وسط مشاغل الحياة. وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُقطع به في شيء. فمن رأى ما أفرحه فليحمد الله ويحسن الظن به، ومن رأى ما أقلقه فليدع بالخير وليطمئن. اللهم اجعل ما رآه الرائي خيرًا ويسّر له طريقه وأمره. والغيب لا يعلمه إلا الله، والله أعلم.
