قد يرى الإنسان في منامه فستانًا أبيض يصغر فجأة بين يديه حتى يضيق عن صاحبه أو يتضاءل حجمه. وهذا من طبيعة الأحلام، فالأحجام فيها تتبدل بلا قاعدة والصور تتضخم وتتقلص بسرعة. والأحلام لا تُقرأ كأخبار عن المستقبل، فهي رموز تعبّر عن ميول النفس وما يشغلها. ولذلك يحسن أن تُستقبل هذه الرؤيا بهدوء وأن تُفهم على أنها صورة رمزية. وكل ما يُذكر هنا اجتهاد في فهم الرمز لا يبلغ درجة الجزم.
الفستان الأبيض في عالم الرموز يوحي بالصفاء والبدايات الجديدة وحسن الهيئة والاستعداد لمناسبة سعيدة. وصغره المفاجئ قد يُقرأ على أنه شعور بأن أمرًا كان يبدو كبيرًا قد تقلص أو لم يعد مناسبًا لمقاس الرائي. وقد يعبّر في بعض الأحوال عن إحساس بضيق الوقت أو بأن الاستعداد لم يكتمل بعد. غير أن هذا المعنى ليس قاعدة ثابتة، فالرمز يتبدل بتبدل الرائي وظروفه. ويبقى الشعور المصاحب للحلم أبلغ في الدلالة من شكل الثوب.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الثياب أن الثوب يعبّر عن حال لابسه، وأن الضيق منه قد يُفهم على أنه ضيق في الحال، والواسع على أنه سعة فيه. وذُكر في بعض ما نُسب إليه أن البياض من الألوان التي تميل إلى الصفاء ووضوح الأمر. ولا يُعرف نص خاص بصغر الفستان الأبيض فجأة، فهذا من اجتهاد المتأخرين في تطبيق القواعد العامة. ولذلك لا ينبغي أن يُفهم من ضيق الثوب في الحلم ضيق حقيقي في الواقع. وللرائي أن يأخذ من هذه الأقوال ما يفيده ويدع ما سواه.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الثياب تعبّر عن حال صاحبها وهيئته وما هو عليه بين الناس. وفُهم من ذلك أن مقاس الثوب قد يشير إلى مناسبة الحال لصاحبه أو عدم مناسبتها. وتختلف آراء المفسرين بعد ذلك، فمنهم من يقف عند ظاهر الرمز ومنهم من يقدّم الجانب النفسي المرتبط بالأحجام والتوقعات. وهذا الاختلاف يدل على أن التأويل اجتهاد بشري يعتريه الخطأ. فمن اطمأن إلى قول أخذ به، ومن لم يطمئن فلا حرج عليه.
للسياق أثر كبير في الفهم، فالفستان الذي يصغر في غرفة هادئة غير الفستان الذي يصغر في مكان مزدحم أو أمام الناس. وإذا صاحب الصغر شعور بالهدوء فقد يميل المعنى إلى تقبل أن بعض الأمور تتبدل أحجامها مع الوقت. وإذا صاحبه ارتباك أو حرج فقد يعكس ذلك إحساسًا بعدم الاستعداد أو بضيق في الوقت. كما أن كثرة الالتزامات وقلة النوم وتزاحم الأفكار تجعل الأحجام تتبدل في المنام بلا ترتيب. فلا بد من النظر إلى الحال قبل النظر إلى الصورة.
من يرى فستانًا أبيض يصغر فجأة قد يكون في يقظته منشغلًا بأمر يخشى ألا يتسع له الوقت، كمناسبة قريبة أو عمل مرتقب أو قرار يفكر فيه كثيرًا. وقد يعبّر الحلم عن شعور بأن الاستعداد لم يكتمل أو بأن الظروف لا تناسب ما يريد. وقد يرتبط بتغير في الجسم أو في الهيئة يفكر فيه صاحبه ويشغله. وقد يكون صدى لتجهيزات مناسبة يرى فيها كثرة التفاصيل. ولا يصح اعتبار الرؤيا إخبارًا بتغير في الواقع، فهي صورة رمزية لا غير.
ومن التفاصيل المؤثرة في الفهم سرعة الصغر ومقدار التضاؤل وما فعله الرائي حين رآه. فإذا صغر الفستان تدريجيًا فقد يعكس ذلك مرور الوقت بهدوء، وإذا صغر دفعة واحدة فقد يعكس مفاجأة نفسية. وإذا كان الرائي يلبسه فضاق عليه فقد يدل على شعور بعدم الراحة في وضع قائم، وإذا صار صغيرًا يُحمل في اليد فقد يعكس خفة وتبسيطًا. وإذا كان لونه ناصعًا فقد يُفهم على أنه وضوح في الفكرة. وكلها قراءات رمزية مفتوحة لا تُبنى عليها نتائج مؤكدة.
وقد يكون الحلم أثرًا لمشاهد رآها الإنسان في يقظته، فالعقل يعيد ترتيب ما مر به ويخرجه أحيانًا في صور تتقلص بلا سبب. وليس كل تقلص في المنام له معنى، فكثير من الصور هي مجرد لقطات متفرقة من الذاكرة. ولذلك لا حاجة إلى التعلق الزائد بالتفسير ولا إلى الانشغال بحجم الصورة. وإن شعر الرائي بأن الصورة تشغله فليكتب ما شعر به وليمضِ في يومه. فالعناية بالنفس والعمل المنظم أولى بالانتباه من تفاصيل المنام.
من الناحية العملية والنفسية يفيد أن يسأل الرائي نفسه عما يشعر أنه ضاق عليه في حياته، أهو الوقت أم الجهد أم الاستعداد. ويفيد أن يرتب أولوياته وأن يمنح نفسه مهلة معقولة لما يريد إنجازه. ويفيد أن يتحدث مع قريب أو صديق يثق به إن ازداد الضغط. وإذا لازمه القلق مدة طويلة وأثّر في نومه وحياته فالأفضل أن يتكلم مع مختص. والحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية ولا يغني عن استشارة أهل الاختصاص.
يبقى كل ما ذُكر اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يتحول إلى يقين. والمؤمن يحسن الظن بالله ويدعو بأن يجعل كل رؤيا خيرًا وأن يصرف عنه القلق. فإن رأى ما يسره فليحمد الله، وإن رأى ما يزعجه فلا يعطه أكثر من حجمه. وعلم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الأحلام إلا صور يتأملها الإنسان بهدوء. اللهم اجعل لكل رائٍ في أحلامه وأيامه طمأنينة وخيرًا.
