قد يرى الإنسان في منامه فستانًا أبيض ثم ترتسم على وجهه ابتسامة، أو يرى وجهًا مبتسمًا قريبًا منه. وهذه من الأحلام الطيبة التي يستيقظ منها الإنسان وقد بقي في نفسه أثر لطيف. والأحلام لا تُقرأ كأخبار عن المستقبل، فهي رموز تعبّر عن ميول النفس وما يشغلها. ولذلك يحسن أن تُستقبل هذه الرؤيا بهدوء وأن تُفهم على أنها صورة رمزية. وكل ما يُذكر هنا اجتهاد في فهم الرمز لا يبلغ درجة الجزم.
الفستان الأبيض في عالم الرموز يوحي بالصفاء والبدايات الجديدة وحسن الهيئة والاستعداد لمناسبة سعيدة. والابتسامة التي تعقبه تضيف معنى الود والقبول والانشراح. وقد يعبّر هذا الاجتماع في بعض الأحوال عن رضا داخلي أو عن شعور بالألفة مع الناس والأيام. غير أن هذا المعنى ليس قاعدة ثابتة، فالرمز يتبدل بتبدل الرائي وظروفه. ويبقى الشعور المصاحب للحلم أبلغ في الدلالة من شكل الثوب.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الثياب أن الثوب يعبّر عن حال لابسه، وأن النظيف الحسن منه أحسن حالًا من غيره. وذُكر في بعض ما نُسب إليه أن البياض من الألوان التي تميل إلى الصفاء ووضوح الأمر. ولا يُعرف نص خاص بالفستان الأبيض الذي تعقبه ابتسامة، فهذا من اجتهاد المتأخرين في تطبيق القواعد العامة. ولذلك لا ينبغي أن يُفهم من الابتسامة في الحلم وعد بأمر مؤكد في الواقع. وللرائي أن يأخذ من هذه الأقوال ما يفيده ويدع ما سواه.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الثياب تعبّر عن حال صاحبها وهيئته وما هو عليه بين الناس. وفُهم من ذلك أن الثوب الأبيض الحسن قد يشير إلى طيب الحال ووضوح الصورة. وتختلف آراء المفسرين بعد ذلك، فمنهم من يقف عند الظاهر ومنهم من يقدّم الجانب النفسي المرتبط بالانشراح والقبول. وهذا الاختلاف يدل على أن التأويل اجتهاد بشري يعتريه الخطأ. فمن اطمأن إلى قول أخذ به، ومن لم يطمئن فلا حرج عليه.
للسياق أثر كبير في الفهم، فالابتسامة التي تعقب الفستان في بيت مألوف غير الابتسامة التي تأتي في مكان غريب. وإذا كانت الابتسامة من الرائي نفسه فقد يميل المعنى إلى رضا وسرور في داخله. وإذا كانت من شخص آخر فقد تتجه القراءة إلى ما بين الرائي وذلك الشخص من مودة أو احترام. كما أن الأخبار السارة والجلسات الطيبة قبل النوم قد تترك أثرها في الحلم. فلا بد من النظر إلى الحال قبل النظر إلى الصورة.
من يرى فستانًا أبيض ثم ابتسامة قد يكون في يقظته مرتاحًا لأمر مر به، أو راجيًا خيرًا في أمر ينتظره. وقد يعبّر الحلم عن حاجة إلى الود والقبول وإلى وجوه مبتسمة حوله. وقد يرتبط بذكرى مناسبة جميلة ابتسم فيها الجميع. وقد يكون صدى لصور رآها أو لقاء طيب جمعه بمن يحب. ولا يصح اعتبار الرؤيا إخبارًا بأمر قادم، فهي صورة رمزية لا غير.
ومن التفاصيل المؤثرة في الفهم صاحب الابتسامة وصفتها، أهي هادئة صادقة أم متكلفة، وهل كانت موجهة إلى الرائي أم إلى غيره. فإذا كانت هادئة صادقة فقد تُقرأ على أنها طمأنينة وودّ، وإذا كانت متكلفة فقد تعكس انشغالًا بنظرة الناس. وإذا كانت من شخص معروف فقد تتجه القراءة إلى علاقة الرائي به، وإذا كانت من وجه غير معروف فقد تعكس انشراحًا عامًا. وإذا كان الفستان نظيفًا ناصعًا فقد يُفهم على أنه وضوح في النية. وكلها قراءات رمزية مفتوحة لا تُبنى عليها نتائج مؤكدة.
وقد يكون الحلم أثرًا لمشاهد رآها الإنسان في يقظته، فالعقل يعيد ترتيب ما مر به ويخرجه أحيانًا في صورة جميلة تؤنس النفس. وليس كل ابتسامة في المنام لها معنى خاص، فكثير من الصور هي مجرد لقطات متفرقة من الذاكرة تمتزج بغيرها. ولذلك لا حاجة إلى التعلق الزائد بالتفسير ولا إلى انتظار شيء بعينه. وإن شعر الرائي بأن الصورة تشغله فليكتب ما شعر به وليمضِ في يومه. فالعناية بالنفس والعمل المنظم أولى بالانتباه من تفاصيل المنام.
من الناحية العملية والنفسية يفيد أن يسأل الرائي نفسه عما يدخل السرور على قلبه في يقظته، وأن يجعل له نصيبًا من يومه. ويفيد أن يبادر هو بالابتسامة والكلمة الطيبة لمن حوله فذلك يخفف عن النفس. ويفيد أن يحافظ على صلة طيبة بالأهل والأصدقاء. وإذا لازمه القلق أو الحزن مدة طويلة وأثّر في نومه وحياته فالأفضل أن يتكلم مع مختص أو مع أحد الأهل. والحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية ولا يغني عن استشارة أهل الاختصاص.
يبقى كل ما ذُكر اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يتحول إلى يقين. والمؤمن يحسن الظن بالله ويدعو بأن يجعل كل رؤيا خيرًا وأن يصرف عنه القلق. فإن رأى ما يسره فليحمد الله، وإن رأى ما يزعجه فلا يعطه أكثر من حجمه. وعلم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الأحلام إلا صور يتأملها الإنسان بهدوء. اللهم اجعل لكل رائٍ في أحلامه وأيامه طمأنينة وخيرًا.
