حين يرى الشاب فستانًا أبيض في منامه فقد يستغرب الصورة ويتساءل عن سببها، لأن الفستان لباس يرتبط عادة بالنساء والمناسبات. والأحلام لا تُقرأ بظاهرها، فهي لغة رموز تتأثر بالمشاعر وبما يشغل الإنسان في يومه. ومن المفيد أن يُتذكر منذ البداية أن التأويل اجتهاد وأن الرؤيا الواحدة لا تصلح أساسًا لقرار. وما يُذكر هنا قراءة رمزية عامة يُراد بها التأمل لا الجزم. وكثير من الصور التي تمر في المنام لا تحمل أكثر من أثر ما رآه الإنسان وفكر فيه.
الفستان الأبيض يرمز في العادة إلى الصفاء والبدايات الجديدة وحسن الهيئة. وهو يرتبط كذلك بالاستعداد لمناسبة سعيدة وبالرغبة في ترتيب الأمور على وجه جميل. وقد يعبّر في بعض الأحوال عن تطلع الشاب إلى مرحلة جديدة في دراسته أو عمله أو علاقاته. غير أن هذه المعاني ليست قاعدة ثابتة، فهي تتبدل بتبدل صاحب الرؤيا وظروفه. ويبقى الشعور المصاحب للحلم أبلغ في الدلالة من شكل الفستان.
نُسب إلى ابن سيرين أن الثياب في المنام تدل على حال لابسها وأمره، وأن النظيف منها أحسن حالًا من المتسخ. وذُكر في بعض ما نُسب إليه أن البياض يميل إلى الصفاء ووضوح الأمر. وإذا كان الثوب لغير الرائي فقد يُنظر إلى صاحبه في الحلم وإلى صلة الرائي به. ولا يُعرف على وجه اليقين نص خاص بالفستان الأبيض في رؤيا الشاب. ولذلك تبقى هذه الأقوال إشارات عامة لا قواعد قاطعة.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الثياب تعبّر عن مكانة صاحبها وهيئته بين الناس. وفُهم من ذلك أن الثوب الجميل قد يشير إلى حسن الحال وطيب الذكر ما لم يقترن بما يعكّره. وتتفاوت آراء المفسرين بعد ذلك، فمنهم من يقف عند الظاهر ومنهم من يقدّم الجانب النفسي. وهذا التفاوت دليل على أن التأويل اجتهاد بشري يتأثر بزمان القائل وبيئته. فمن وجد في قول منها ما يطمئنه أخذ به، ومن لم يجد تركه بلا حرج.
يتغير فهم الرؤيا بتغير سياقها، فالفستان الذي يُرى في مكان مضيء هادئ غير الفستان الذي يُرى في ازدحام أو ظلمة. وإذا شعر الرائي بالارتياح والسرور فقد يميل المعنى إلى التفاؤل وحسن الاستعداد. وإذا شعر بالارتباك أو الحرج فقد يعكس ذلك قلقًا من نظرة الناس أو من خطوة قادمة. كما أن ما سبق النوم من أخبار ومناسبات وأقاويل يترك أثره في الصور المرئية. فالنظر إلى الحال قبل النوم يعين على فهم الصورة أكثر من تتبع تفاصيلها.
الشاب في مقتبل عمره يفكر عادة في مستقبله، ومن هنا قد يظهر الفستان الأبيض رمزًا لبداية جديدة أو لحلم كبير يستعد له. وقد يعبّر الحلم عن رغبته في أن تكون أموره مرتبة وواضحة في دراسته أو عمله أو علاقاته. وقد يكون الفستان لأخت أو قريبة تستعد لمناسبة، فيكون الحلم صدى لانشغال الأسرة بتجهيزاتها. وقد يدل في بعض القراءات على شعور بالمسؤولية تجاه من حوله. وليس في الرؤيا ما يلزم أن تكون وعدًا بأمر معين، فهي تحتمل أوجهًا كثيرة.
وإذا رأى الشاب نفسه يلبس الفستان فهو مشهد غريب يُقرأ رمزيًا ولا يُؤخذ على ظاهره. وقد يكون تعبيرًا عن ارتباك في دور جديد يُطلب منه أو عن رغبة في تغيير صورته أمام الناس. وقد يكون من اختلاط الصور في النوم دون معنى خاص. فلا حاجة إلى الخوف منه ولا إلى الانشغال به طويلًا. والأولى أن يتأمل الرائي ما استيقظ عليه من إحساس وأن يمضي في يومه.
ومن التفاصيل المؤثرة في الفهم لون الفستان ونظافته ومكانه وما إذا كان جديدًا أو قديمًا. فالفستان النظيف المرتب يميل إلى معنى حسن الاستعداد، والمتسخ أو الممزق قد يعبّر عن انشغال بما ينقص. وإذا كان معلقًا في محل فقد يشير إلى تفكير في اختيار أو مفاضلة بين أمرين. وإذا كان بيد شخص معروف فقد تتجه القراءة إلى ما بينهما من علاقة. وتبقى هذه كلها إشارات رمزية مفتوحة لا تُبنى عليها نتائج.
من الناحية العملية والنفسية يستطيع الشاب أن يسأل نفسه عن الأهداف التي يريد بلوغها وعن الخطوات الصغيرة التي يبدأ بها. ويفيد أن ينظم وقته بين العمل والراحة والأهل والأصدقاء حتى تهدأ أفكاره. وإذا لازمه القلق أو أثّر في نومه وصفاء باله فالأفضل أن يتكلم مع مختص أو مع قريب يثق به. والحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية ولا يغني عن استشارة أهل الاختصاص. والسعي المنظم مع الدعاء أنفع من كثرة التخمين.
يبقى كل ما سبق اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يتحول إلى يقين. والمؤمن يحسن الظن بالله ويدعو بأن يجعل كل رؤيا خيرًا وأن يصرف عنه القلق. فإن رأى ما يسره فليحمد الله، وإن رأى ما يزعجه فلا يعطه أكثر من حجمه. وعلم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الأحلام إلا صور يتأملها الإنسان بهدوء. اللهم اجعل لكل شاب في أحلامه وأيامه طمأنينة وخيرًا.
