رؤية الشعر الأبيض مقترنًا بالتجربة منام يجتمع فيه رمز النضج مع صورة الدروس التي يتعلمها الإنسان من مواقف الحياة المتتابعة. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تعني أن الرائي سيمر بتجربة محددة ولا أن نتيجتها ستكون على نحو معين. وهي في الغالب صور يعرضها العقل من مشاعر الرائي تجاه ما مرّ به من أحداث وما خرج به منها. ولذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء وأن يكون شعور الرائي أثناء الحلم قرينة أولى في الفهم. فقد يرى الإنسان الصورة بعد موقف مؤثر أو بعد مرحلة طويلة من الصبر والمحاولة.
يرمز الشعر الأبيض عمومًا إلى الوقار والهيبة وتراكم التجارب، وقد يشير إلى النضج والاتزان وهدوء الطباع. أما التجربة في عالم الرؤى فهي علامة على ما يكتسبه الإنسان من معرفة بعد المرور بالمواقف الصعبة والسهلة معًا. واجتماع الرمزين يقوّي المعنى نحو الحنكة والصبر واستخلاص العبر من الماضي. ومع ذلك فليس لهذا الاجتماع قاعدة ثابتة، فالمشاعر والتفاصيل هي التي ترجّح المعنى. وهذه قراءات عامة لا تبلغ درجة القطع.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الشيب قد يدل على الهيبة والمكانة لأهلها، وعلى الهم لمن كان في كدر، وفي ثبوت هذه الأقوال وتفاصيلها خلاف بين الناقلين. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المعنى يتبع حال الرائي وما يناسبه، فلا يعمّ جميع الرائين. وتتباين آراء المفسرين في الرموز، فلا يصح الجزم بقول واحد. كما أن الصور الأقل شيوعًا، ومنها اقتران الشعر الأبيض بالتجربة، أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيُقاس تفسيرها على نظائرها.
أما أثر السياق فهو ظاهر، إذ قد تكون التجربة التي يستحضرها الحلم مريحة تُذكر بامتنان، وقد تكون مؤلمة تُستعاد بحذر. فإذا كان الرائي مطمئنًا وهو يتأمل شعره الأبيض فالأقرب أن يميل المعنى إلى نضج حقيقي واستفادة من الماضي ورضا بما تعلمه. وإذا كان متألمًا فقد يعبّر الحلم عن جرح قديم لم يُشفَ تمامًا ويحتاج إلى عناية ورفق. وقد يدل كذلك على مرحلة يراجع فيها الإنسان قراراته السابقة ويقدّر ما أصاب فيه وما أخطأ. ويتغير المعنى بتغير المشهد بين بيت قديم وطريق جديد.
وإذا كانت الرائية عزباء، فقد يعبّر الحلم عن نضج تكوّن عندها من مواقف مرّت بها في دراستها أو عملها أو علاقاتها، وعن رغبتها في ألا تكرر ما أتعبها قبل ذلك. وقد يكون الشعر الأبيض عندها علامة على حسن اختيار وروية في القرار. وإن كانت متزوجة فقد يرتبط بتجاربها في بيتها وتربيتها لأبنائها وما تعلمته من الصبر والتفاهم. وفي الحالتين يبقى شعورها أثناء الحلم هو الأصل. ولا يُجزم بشيء عن أحوالها القادمة.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد يرتبط المنام بمسيرته في العمل والرزق وما مرّ به من نجاحات وإخفاقات صقلت شخصيته. وقد يشير الشعر الأبيض إلى أنه صار أبصر بالأمور وأقدر على قراءة الناس والمواقف، إن كان الشعور مريحًا. وإن صاحبه ندم أو حسرة فقد يعبّر الحلم عن حاجة إلى مصالحة النفس مع الماضي والعزم على بداية أنضج. ولا يعني ذلك أن شيئًا بعينه سيتكرر، فالرؤيا ظنية. وللرجل أن يتحدث مع صديق مجرب في ما يشغله.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كان الرائي يرى شعره الأبيض في مرآة قديمة أم جديدة، وهل كان يسترجع صورًا من الماضي في الحلم، وهل كان معه أحد من أصدقاء الدرب. فالمرآة التي تعكس الوجه بوضوح قد تميل إلى معنى الصراحة مع النفس، والمرآة المغبشة قد تدل على حيرة. وللأمكنة المألوفة أثر في الإحساس، فالعودة إلى بيت الطفولة قد تحمل حنينًا يغيّر ظلال المعنى. كما أن لون الجو وصوت الذكريات في الحلم يضيفان قرائن خاصة بالرائي. وكل ذلك يُجمع ولا يُبنى على عنصر واحد.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى تدوين الدروس التي تعلمها الرائي وإلى الاعتراف بنضجه دون جلد للنفس على ما فات. ويمكن أن يتأمل: ما أهم ثلاثة دروس غيّرت طريقته في التفكير، وما الذي يحتاج إلى إغلاقه من صفحات الماضي، وما الذي يستحق أن يحمله معه إلى المستقبل. ومن المفيد أن يشارك تجاربه مع من يستفيد منها بتواضع، وأن يستعين بمختص إن كانت الذكريات تؤرقه. والحلم ليس نصيحة نفسية قاطعة، وإنما مجال للتأمل والاعتبار.
وهذا كله اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، فلا يُبنى عليه خوف ولا قرار مصيري. وليحسن الرائي ظنه بالله وليدعُه أن يرزقه الرشد وأن يجعل ما مرّ به خيرًا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما في المنامات من رموز فهو للتأمل لا للجزم. والله أعلم بالصواب.
