رؤية الشعر الأبيض في الشارع منام يربط بين رمز الوقار والخبرة وبين مكان مفتوح يمر فيه الناس ويتقاطع فيه السعي والتنقل. ولا بد من التذكير بأن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فهي لا تخبر بحدث محدد وإنما تعرض صورًا تحتمل أكثر من وجه. وقد يرى الإنسان نفسه أو غيره بشعر أبيض وهو يسير في شارع مزدحم أو هادئ، فتتغير الدلالة بحسب ما رافق المشهد من مشاعر وتفاصيل. ومن الأفضل ألا يتعجل الرائي في الوصول إلى تفسير واحد، وأن ينظر إلى حاله وما يمر به في هذه الأيام. فالمنامات في الغالب مرآة لما في النفس من أفكار واهتمامات أكثر من كونها أخبارًا.
يدل الشعر الأبيض في الرؤى عمومًا على الوقار والهيبة وتراكم الخبرة، وقد يشير إلى النضج والهدوء بعد مرحلة من الاضطراب. وقد يعبّر في بعض الأحيان عن كثرة الأعباء التي يحملها الإنسان وتظهر آثارها عليه رمزيًّا. ويُنظر دائمًا إلى شعور الرائي، فالرضا والانشراح يرجّحان الخير، والانزعاج قد يدل على انشغال أو قلق عابر. وليس في ذلك قاعدة ثابتة، بل هو ميل عام يتغير مع تغير السياق. فالمعنى الواحد قد يختلف من رائٍ إلى آخر اختلافًا كبيرًا بحسب ظروفه.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الشيب قد يدل على الوقار والمكانة، وقد يكون علامة هم لمن كان مثقلًا بالشواغل، وفي ثبوت تفاصيل هذه الأقوال خلاف بين الناقلين. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأمر يتبع حال الرائي وما يليق به، فما يحمد لقوم قد لا يحمد لغيرهم. وتختلف مدارس التفسير في تقدير هذه الرموز، ولذلك لا يصح الجزم بقول واحد. كما أن الصور الأقل شيوعًا، مثل الشعر الأبيض في الشارع تحديدًا، أقل تناولًا في الكتب القديمة، فالمفسرون المعاصرون يقيسونها على نظائرها.
أما الشارع فهو رمز للطريق والسعي والاختلاط بالناس، وما يمر به الإنسان من مواقف يومية وقرارات صغيرة وكبيرة. فإذا ظهر الشعر الأبيض فيه فقد يشير إلى أن الرائي يمضي في طريقه بخبرة تظهر للناس، أو أن مظهره وسمعته بين الناس يميلان إلى الوقار. وقد يدل على مرحلة يشعر فيها بأنه مكشوف أمام الآخرين، تُقيَّم صورته ويُنظر إلى عمره ومنزلته. وقد يعبّر أيضًا عن انشغال بنظرة الناس ومقارنة النفس بالآخرين في مشوار الحياة. ويختلف الأمر بين شارع واسع نظيف وشارع ضيق مزدحم، فالأول أقرب إلى السعة والانفتاح والثاني إلى الضغط.
وإذا كان الرائي عزباء، فقد يعبّر المنام عن إحساسها بالنضج في طريقها وتقدمها في الخبرة، أو عن اهتمام بنظرة المحيطين إليها. وقد يكون ذلك مرتبطًا بتفكيرها في المستقبل وما تبنيه من خطط. أما إن كانت متزوجة فقد يرتبط بانشغالها بشؤون البيت والأسرة، وما تحمله من مسؤوليات تظهر في صورة رمزية على مظهرها. ويبقى شعورها أثناء الرؤيا هو الأصل، فإن كانت مطمئنة فالأقرب أنها تمر بمرحلة اتزان. وإن كانت متضايقة فقد تحتاج إلى مراجعة ما يثقل عليها والتخفيف منه.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد يرتبط المنام بعمله وسعيه بين الناس، وبسمعته ومكانته، وبرغبته في أن يُنظر إليه بجدية واحترام. وقد يشير الشعر الأبيض هنا إلى الخبرة التي يتميز بها في ميدانه، أو إلى رغبة في أن يبدو أكثر رسوخًا. وقد يعبّر عن تفكير في الالتزامات المالية والأسرية التي تحتاج إلى ترتيب. فإن مشى في الشارع بثقة فقد يوحي بذلك بوضوح هدفه، وإن تعثر أو ارتبك فقد يدل على تردد في قرار ما. ولا يُبنى على هذا كله قرار قاطع، وإنما هي ميول تحتاج إلى تأمل.
وتؤثر التفاصيل الدقيقة في الفهم تأثيرًا ملحوظًا، فمن ذلك هل كان الشارع معروفًا للرائي أم غريبًا عنه، وهل كان الناس ينظرون إلى شعره أم لا يلتفتون. فإن كانوا يلتفتون باحترام فقد يميل المعنى إلى التقدير، وإن كانوا يتهامسون فقد يكون ذلك انعكاسًا لقلق من آراء الناس. وإن كان الشعر الأبيض لشخص آخر في الشارع، فالأقرب أنه يتعلق بما يرمز إليه ذلك الشخص من خبرة أو علاقة في حياة الرائي. وللوقت والإضاءة والطقس أثر في الإحساس العام بالمشهد، فالنهار الصافي غير الليل الغائم. وكل ذلك يُجمع ولا يُعتمد على عنصر واحد منه.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم دعوة إلى الاهتمام بصورة الذات دون إفراط، وإلى التصالح مع مراحل العمر المختلفة. ويمكن للرائي أن يتأمل في طريقه الحالي، وهل هو راضٍ عن خطواته، وهل يحتاج إلى تغيير مسار أو إلى مزيد من الصبر. ومن المفيد أن يخفف عن نفسه مقارنتها بالآخرين، وأن يقدّر ما اكتسبه من خبرة. وإذا كان القلق من المظهر أو تقدم العمر يلازمه كثيرًا، فالتحدث مع شخص قريب أو مختص قد يخفف عنه. والحلم ليس نصيحة طبية ولا دليلًا على حالة بعينها.
وهذا الكلام كله اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يُجعل أساسًا لقرار مصيري أو سببًا لخوف. وليحسن الرائي ظنه بالله، وليدعُه أن يجعل طريقه خيرًا وأن يمنحه الثبات والرضا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما في المنامات من رموز فهو للتأمل لا للجزم. وليخرج الرائي من تفسيره بأمل وهدوء، والله أعلم.
