أن يرى النائم نفسه ينتف شعرة بيضاء من رأسه مشهد فعلي فيه حركة وقرار، وليس مجرد رؤية ساكنة. وهي رؤيا رمزية في أصلها، لا تدل على وقوع أمر بعينه في اليقظة، ولا تُحمل على أنها خبر مؤكد. فالأحلام التي تتضمن أفعالًا تعكس في العادة موقف الرائي من الرمز نفسه، أي كيف يتعامل مع فكرة الوقار والنضج ومرور الأيام. ولذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء، وأن تُربط بحال الرائي ومشاعره لا بتفسيرات مطلقة.
الشعر الأبيض يرمز إلى الوقار والخبرة وتراكم التجارب، ونتفه يرمز في الغالب إلى محاولة إبعاد أثر ما أو التخلص من علامة تذكّر بشيء. وقد يدل على رغبة في تأجيل مرحلة قادمة أو إخفاء هم يشعر به الرائي، فيتجسد ذلك في فعل اليد. وقد يشير أيضًا إلى سعي لتنظيم الأفكار وإزالة ما يزعج، كمن يرتب غرفته الداخلية. ويحدد الجانب الأقرب شعور الرائي أثناء الفعل، فالراحة تميل إلى الترتيب، والتوتر يميل إلى الهروب.
نُسب إلى ابن سيرين أن الشعر في المنام يرمز إلى المال والمنزلة، وأن ما يطرأ عليه من نقص أو إزالة قد يُحمل على تغير في هذه الأمور بحسب السياق. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشيب في الرؤيا قد يدل على اعتبار ووقار، وقد يدل على هم، وأن التصرف فيه يتبع حال صاحبه. وتختلف آراء المفسرين اختلافًا واسعًا في هذه الصور، ولا يتفقون على تفصيل واحد. والجمع بين النتف والشعرة البيضاء من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، فما يُقال فيه اجتهاد وقياس.
يؤثر السياق في المعنى تأثيرًا كبيرًا. فإن نتف الرائي الشعرة بهدوء ثم نظر إليها فقد يدل ذلك على وعي بتفصيل صغير يشغله ورغبة في إنهائه. وإن نتفها بسرعة وانزعاج فقد يعبر عن توتر أو رغبة في التخلص من فكرة مقلقة بأي ثمن. وإن ظهرت بعدها شعرات أخرى فقد يدل على أن الأمر أكبر من فعل واحد، وأن تغيير النظرة أنفع من إزالة الأثر. ويؤثر كذلك ما سبق النوم من أحداث أو مقارنات.
وللعزباء قد يعبّر الحلم عن رغبة في أن تبدو أصغر أو أقل جدية أمام المحيطين، أو عن خوف من أن يعدّها الآخرون أكبر من سنها. وقد يرتبط بقرار تحاول تأجيله أو بفكرة تود إبعادها. وإن كانت مرتاحة فهو أقرب إلى ترتيب نفسي طبيعي. وإن كانت متوترة فقد يعكس قلقًا من توقعات الأسرة، وهو قلق يخف حين تفصح عنه لمن تثق به.
وللمتزوجة قد يدل الحلم على رغبة في التخفيف من أعباء البيت أو في التخلص من فكرة تكرر في ذهنها. وإذا كانت حاملة فقد يعكس انشغالها بالتغيرات المصاحبة لهذه المرحلة، والحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن مراجعة الطبيبة. وللرجل قد يدل على محاولة تأجيل مسؤولية أو ضغط عمل. ومن كان في ظرف صحي معين فالمرجع هو الطبيب لا الأحلام.
ومن التفاصيل الدقيقة عدد الشعرات المنتوفة، فالواحدة تدل على أمر محدد، والكثير يدل على انشغال متعدد. ويُنظر إلى مصير الشعرة بعد النتف، أيرميها الرائي أم يحتفظ بها أم تعود إلى مكانها، فالاحتفاظ بها يميل إلى قبول الفكرة، والرمي يميل إلى رفضها. وكذلك يتغير المعنى إن كان النتف أمام المرآة أو في الخفاء أو أمام أحد. وإن شعر الرائي بألم عند النتف فقد يعبر عن صعوبة في التخلي عن الفكرة.
وعمليًا، يمكن أن يكون الحلم دعوة إلى النظر في الأمر الذي يريد الرائي الهروب منه، وإلى مواجهته بصورة هادئة بدل تجاهله. فالتخلص من الأثر الظاهر لا يحل السبب الحقيقي، والنظر في السبب أنفع. ويمكنه أن يكتب ما يقلقه وأن يقسمه إلى أمور يمكن تغييرها وأمور تحتاج إلى صبر. وإن كان الحلم انعكاسًا لحساسية تجاه المظهر فليتذكر أن الوقار يأتي من الداخل أكثر مما يأتي من الشكل.
ومن الناحية النفسية، قد يرتبط الحلم برغبة في السيطرة على مجرى الأيام، وهي رغبة إنسانية معتادة تظهر عند الشعور بسرعة التغير. فالعقل يحول هذه الرغبة إلى فعل رمزي بسيط. ولا يدل ذلك على نقص أو خلل، بل على حاجة إلى الطمأنينة. ويمكن تلبيتها بتنظيم الوقت وممارسة نشاط يحبه الرائي وقضاء أوقات مع من يحب.
وخلاصة القول أن نتف الشعرة البيضاء في المنام يميل إلى معاني الرغبة في إبعاد فكرة مقلقة أو تأجيل مرحلة، ويتأثر المعنى بشعور الرائي وظروفه. وهذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بأن يجعل ما رآه خيرًا وأن يرزقه السكينة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما في المنام صور تُقرأ بتواضع.
