حين يرى النائم شاربًا أبيض فوق شفته أو يرى شارب غيره وقد ابيض، فإن المشهد يوحي بالهيبة والوقار. وهي رؤيا رمزية في أصلها، لا تدل على وقوع أمر بعينه في اليقظة، ولا تُحمل على أنها خبر مؤكد. فالشارب في الأحلام يرتبط عادة بالهيبة والرجولة والكلام، وما يظهر عليه من بياض يتأثر بحال الرائي. ولذلك يحسن أن تُقرأ الرؤيا بهدوء، وأن تُربط بما يعيشه الرائي من ظروف ومشاعر.
الشارب موضعه فوق الفم، فيرتبط عند بعض المعبرين بالكلام والقول وما يصدر عن الإنسان، والبياض رمز الوقار والخبرة. فاجتماعهما قد يدل على كلام وقور مدروس، أو على خبرة في المعاملة والحوار، أو على هيبة تظهر في الحضور. وقد يشير إلى رزانة في الرد وحسن في الإصغاء، أو إلى أمر يخص الرائي في علاقته بمن حوله. ويحدد الجانب الأقرب شعور الرائي في الحلم وحال الشارب من النظافة والترتيب. وفي الغالب يميل الميزان إلى المعنى المحمود لما في الهيبة من احترام.
نُسب إلى ابن سيرين أن الشارب في المنام يرمز إلى الهيبة والمنزلة والكلام بحسب حاله، وأن حسنه ونظافته يدلان على خير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشيب في الرؤيا قد يدل على اعتبار ووقار، وقد يدل على هم وتفكير، بحسب السياق. وتختلف آراء المفسرين اختلافًا واسعًا في هذه الصور، ولا يتفقون على تفصيل واحد. والشارب الأبيض بالتحديد من الرموز الأقل تناولًا بتفصيل في الكتب القديمة، فما يُقال فيه اجتهاد وقياس على الأصول العامة.
يؤثر السياق في المعنى تأثيرًا كبيرًا. فإن كان الشارب الأبيض نظيفًا مرتبًا والرائي مسرور فقد يدل ذلك على هيبة محمودة وكلام طيب ومنزلة حسنة. وإن كان مهملًا أو متسخًا فقد يعبر عن إهمال في أمر يخص الكلام أو العلاقات. وإن كان طويلًا يغطي الفم فقد يدل على كتمان أو تحفظ، وإن كان قصيرًا مهذبًا فيدل على وضوح وبساطة. ويؤثر كذلك ما سبق النوم من أحداث. وكذلك يختلف الأمر بحسب كون الرائي يتكلم في المشهد أو يصمت.
وللرجل قد يعبّر الحلم عن هيبة تزداد وكلمة تُسمع، وعن خبرة في التعامل مع الناس تنفعه في عمله. وقد يدل على نضج في ضبط الألفاظ وحسن الاختيار. وإن كان مرتاحًا فهو بشارة بالوقار، وإن كان منزعجًا من البياض فقد يعكس حساسية تجاه مظهره. وهي حساسية تخف حين يركز على سلوكه وأثره الطيب.
وللمرأة العزباء أو المتزوجة قد يشير الحلم إلى رجل ذي هيبة في كلامه في حياتها، أو إلى حاجتها إلى كلمة وقورة تطمئنها. وإذا كانت حاملة فقد يعكس تفكيرها في الأبوة المنتظرة، والحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن مراجعة الطبيبة. وقد يكون دعوة إلى اختيار الكلمات اللطيفة في بيتها. ومن كان في ظرف صحي معين فالمرجع هو الطبيب لا الأحلام.
ومن التفاصيل الدقيقة شكل الشارب، فإن كان كثيفًا مرتبًا مال إلى هيبة واضحة، وإن كان خفيفًا مال إلى بساطة، وإن كان مفتولًا مال إلى اعتزاز بالنفس. ويُنظر إلى لون البياض، فالناصع يميل إلى النقاء، والمائل إلى الصفرة قد يدل على انشغال. وكذلك يتغير المعنى إن لمسه الرائي أو سواه أو قصه، فاللمس يميل إلى التأمل، والقص إلى التخفيف. وإن جاء مع لحية بيضاء فالمعنى أشمل.
وعمليًا، يمكن أن يكون الحلم دعوة إلى العناية بالكلمة، فالهيبة تُكتسب من الكلام الطيب والوعد الصادق. ويمكن أن يراجع الرائي طريقته في الحوار، ويحرص على الإصغاء قبل الرد. ويحسن أن يتحدث بما ينفع ويصمت عما لا حاجة له. وإن كان في الحلم انزعاج فليسأل نفسه عن كلام ندم عليه أو كلام لم يقله. ثم يحاول أن يصلح ما يمكن إصلاحه بلطف وصدق.
ومن الناحية النفسية، قد يرتبط الحلم بمرحلة يشعر فيها الرائي بأن لكلمته وزنًا أكبر مما كان، أو بأنه يحتاج إلى أن يُسمع. فيعبّر العقل عن ذلك بصورة الشارب الأبيض. وهذا شعور شائع عند تولي مسؤوليات جديدة. ويمكن أن يوازنه الرائي بتدريب نفسه على الوضوح واللين. ويكفي أن يتذكر أن أثر الكلمة الطيبة يبقى أطول من أثر المظهر.
وخلاصة القول أن الشارب الأبيض في المنام يميل إلى معاني الهيبة الهادئة وحسن الكلام والخبرة، ويتأثر المعنى بشعور الرائي وحال الشارب. وهذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بأن يجعل ما رآه خيرًا وأن يرزقه التوفيق. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما في المنام صور تُقرأ بتواضع.
