حين يرى النائم شعره الأبيض يعود شيئًا فشيئًا إلى السواد، فإن المشهد يوحي بالتجدد والعودة. وهي رؤيا رمزية في أصلها، لا تدل على وقوع أمر بعينه في اليقظة، ولا تُحمل على أنها خبر مؤكد. فالتحول في الأحلام يرتبط عادة بالانتقال والتغير في الشعور، وما يظهر عليه من ألوان يتأثر بحال الرائي. ولذلك يحسن أن تُقرأ الرؤيا بهدوء، وأن تُربط بما يعيشه الرائي من ظروف ومشاعر.
التحول من البياض إلى السواد يجمع رمزين، فالبياض يرمز إلى الوقار والخبرة والهموم المتراكمة، والسواد في الشعر يرمز إلى الحيوية والنشاط. وانتقال أحدهما إلى الآخر قد يدل على تجدد في الهمة، أو على رغبة في استعادة طاقة سابقة، أو على تخفف من هم قديم. وقد يشير إلى بداية جديدة بعد مرحلة ثقيلة، أو إلى حنين إلى أيام كانت أخف. ويحدد الجانب الأقرب شعور الرائي أثناء التحول وطريقة حدوثه. وفي الغالب يميل الميزان إلى المعنى المحمود لما في التجدد من أمل.
نُسب إلى ابن سيرين أن الشعر في المنام يرمز إلى المال والمنزلة، وأن تغير لونه قد يُحمل على تغير في الحال بحسب جودة المشهد. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشيب في الرؤيا قد يدل على اعتبار ووقار، وقد يدل على هم وتفكير، وأن زواله قد يُقرأ بحسب ما صاحبه من مشاعر. وتختلف آراء المفسرين اختلافًا واسعًا في هذه الصور، ولا يتفقون على تفصيل واحد. والتحول من البياض إلى السواد بالتحديد من الرموز الأقل تناولًا بتفصيل في الكتب القديمة، فما يُقال فيه اجتهاد وقياس.
يؤثر السياق في المعنى تأثيرًا كبيرًا. فإن كان التحول هادئًا جميلًا والرائي مسرور فقد يدل ذلك على تجدد نافع وانفراج في الأحوال. وإن كان مرتبكًا أو غير طبيعي فقد يعبر عن رغبة ملحة في العودة إلى ما مضى. وإن حدث أمام المرآة فالمعنى يميل إلى تأمل ذاتي، وإن حدث أمام الناس فيميل إلى نظرتهم. ويؤثر كذلك ما سبق النوم من أخبار أو أحداث. وكذلك يختلف الأمر بحسب كون التحول كاملًا أو جزئيًا.
وللعزباء قد يعبّر الحلم عن تجدد في همتها وبداية نشطة بعد فترة ثقيلة، وعن أمل في مرحلة أخف. وقد يرتبط بتمنيها لبداية جديدة. وإن كانت مرتاحة فهو بشارة بتجدد النشاط بإذن الله، وإن كانت متحسرة فقد يعكس حنينها إلى أيام مضت. وهو حنين يخف حين تدرك أن في كل مرحلة ما يستحق الشكر.
وللمتزوجة قد يدل الحلم على تجدد في نشاطها داخل بيتها ورغبة في استعادة طاقة سابقة. وإذا كانت حاملة فقد يعكس رغبتها في الإحساس بالنشاط في هذه المرحلة، والحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن مراجعة الطبيبة. وللرجل قد يدل على تجدد في عمله ورغبة في بدايات جديدة. ومن كان في ظرف صحي معين فالمرجع هو الطبيب لا الأحلام.
ومن التفاصيل الدقيقة اتجاه التحول، فإن بدأ من الجذور مال إلى تجدد من الداخل، وإن بدأ من الأطراف مال إلى تجدد في الظاهر. ويُنظر إلى مقدار ما تحول، فالجزء اليسير يميل إلى بدايات التجدد، والكل يميل إلى تحول شامل. وكذلك يتغير المعنى إن رافق التحول ضوء أو شعور بالدفء أو صوت. وإن بقي بعض البياض مختلطًا بالسواد فالمعنى يجمع بين الخبرة والحيوية.
وعمليًا، يمكن أن يكون الحلم دعوة إلى تجديد النشاط من الداخل بعادات نافعة، كالمشي والنوم المنتظم وتعلم مهارة جديدة. فالتجدد الحقيقي لا يتوقف على لون الشعر، بل على نشاط العمل والأمل. ويمكن أن يضع الرائي لنفسه هدفًا صغيرًا يبعث فيه الحماسة. وإن كان في الحلم حنين فليجعله دافعًا لا حسرة. ثم يختار عادة صغيرة تعيد إليه النشاط وتبقي في قلبه الرضا.
ومن الناحية النفسية، قد يرتبط الحلم برغبة في استعادة شعور الشباب والخفة بعد فترة ضغط، فيعبّر العقل عن ذلك بعودة السواد. وهذا شعور إنساني معتاد. ولا يدل على إنكار للخبرة المكتسبة. ويمكن أن يجمع الرائي بين الأمرين بتجديد النشاط مع تقدير النضج. وهذا التوازن أصدق ما تدعو إليه الصورة.
وخلاصة القول أن تحول الشعر الأبيض إلى أسود في المنام يميل إلى معاني التجدد والعودة إلى الحيوية، ويتأثر المعنى بشعور الرائي وظروفه. وهذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بأن يجعل ما رآه خيرًا وأن يرزقه الطمأنينة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما في المنام صور تُقرأ بتواضع.
