عدم تكرر الحنث بتكرر وقوع المعلق عليه
السؤال: أنا المواطن (ع ح خ ش)، بعد حوالي أربع سنوات من زواجي، صارت زوجتي تُكثر الخروج مع والدتها وأخواتها دون إذني، وقد سبب لي ذلك ضيقًا شديدًا، فاجتمعتُ بأبيها وأخيها، وأخبرتهم بأنني لا أمنعها من الخروج، لكن بشرط أن تُخبرني قبل ذلك، واحتدّ النقاش بيننا، فقلت في لحظة غضب: (علي اليمين تخرج من البيت بدون إذني تعتبر حارمة عليّ)، وبعد فترةٍ خرجتِ ابنتي الصغيرة من البيت، فلحقَتْها زوجتي وجاءت بها إلى البيت، فأخبرتها باليمين التي حلفتها، فقالت إنها لم تكن تعلم بها، وبعد ذلك سألت مأذونًا شرعيًّا عن الحكم، فقال لي إن الطلاق وقع عليها بخروجها من غير إذنك، وبعد ذلك أتيت بمأذون شرعي وأبيها إلى البيت، وعقدنا عقدًا جديدًا، ولم أكرر اليمين بعد العقد، وبعد سنوات خرجت زوجتي من البيت بدون إذني، فسألت خطيب المسجد، فأفتاني بوقوع الطلاق، ولزوم إنشاء عقد جديد، وهو ما حدثَ، فأتيت بوالدِ الزوجة وشاهدين وقرأنا الفاتحة، وبعد فترة من الزمن رجعتْ إلى عادتها من الخروج من غير إذن، فخرجتْ مرات عديدة، وأنا الآن في عزلة عنها، فما حكم الطلاق في ما ذكر؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن الواجب على العامي إذا عرضت له حادثة، أن يستفتي من يثق في دينه وعلمه؛ فلا يجوز له أن يقلّد كل من يلقاه، وإنما يقلد من غلب على ظنه أنه أولى بذلك، فكان على السائل أن يراعي هذا.
أما فيما يتعلق بالطلاق المعلّق على شيءٍ، كالخروجِ من المنزل ونحوه، فإنه يقع إذا وقع الـمعلَّق عليه، فقد جاء عن نافـع رحمه الله أنه قال: "طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ" [البخاري: 7/45].
والطلاق بلفظ: "حارمة" يقع بائنًا بينونةً صغرى على المختار، وهو رواية عن مالك رحمه الله ، قال القرطبي رحمه الله " : وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِزَوْجَتِهِ: "أَنْتِ عَليَّ حَرَامٌ" عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ قَوْلاً… وَسَابِعُهَا: أَنَّهَا طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ، قَالَهُ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ خُوَيْز مِنْدَاد عَنْ مَالِكٍ …" [الجامع لأحكام القرآن: 18/180].
وإذا وقع الأمر الذي علِّق عليه الطلاق -وهو الخروج من البيت من غير إذن الزوج- كان الطلاق واقعًا، وانحلت به اليمين، ولا يتكرر وقوع الطلاق بوقوع الشيء المحلوف عليه مرة أخرى، ما لم يحلف بلفظ يفيد التكرار، روى ابن رشد عن مالك أنه سئل عن رجل قال لامرأته: أنت طالق واحدة إن بت عنك، فبات عنها، فطلقت منه بواحدة، ثم ارتجعها، ثم بات عنها بعد ذلك ليالي، قال: "لا شيء عليه إلا الأولى" [البيان والتحصيل: 5/357]، وقال خليل رحمه الله " : وَلا يَتَكَرَّرُ الْحِنْثُ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ مَا لَمْ يَكُنْ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِثْلُ: كُلَّمَا، وَمَهْمَا، وَفي (مَتَى مَا) اضْطِرَابٌ، أَوْ قَصَدَ إِلَيْهِ، أَوْ كَانَ الْقَصْدُ الْعُرْفِيُّ كَمَنْ حَلَفَ لا يَتْرُكُ الْوِتْرَ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ التَّرْكِ" [التوضيح: 3/327].
وعليه؛ فإن الطلاق وقع بخروج الزوجة من البيت من غير إذن زوجها، ولزمته طلقة واحدة، وانحلت بذلك يمينه، ولا يلزمه في خروجها بعد ذلك شيءٌ، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
14// جمادى الأولى// 1447 هـ
05//11//2025 م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 15966
