حكم نقل جثمان الشهيد من مقبرة الأرقام إلى مقابر المسلمين
السؤال: ما حكم نقل جثمان الشهيد من مقبرة الأرقام إلى مقابر المسلمين، سواءاً كانت الجثة قديمة، أم حديثة؟ وهل تجوز صلاة الغائب على شهداء مقابر الأرقام، وما حكم وجود مقابر خاصة بقتلى العدو في بلاد الإسلام لغرض التبادل أو ما شابه؟ وما هو الواجب الشرعي والأخلاقي تجاه شهداء مقبرة الأرقام؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
بالإشارة إلى سؤالك المثبت نصه أعلاه؛ فقد أنعم الله تعالى على الشهداء، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]، وهم أحياء عند ربهم، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]، ولا يضرهم حجز الأعداء لجثثهم في مقابر الأرقام.
وأما نقل هذه الجثث من تلك المقابر، فجائز شرعاً، وذلك نظراً لكون مقابر الأرقام ليست مقابر حقيقية، وإنما هي محفظة للجثث، ولا ينطبق عليها المعنى الاصطلاحي للمقبرة في الإسلام.
وأما صلاة الجنازة على الشهيد، فإنها لا تجب في الراجح من قولي أهل العلم، وذلك لما روي عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، بشأن شهداء أحد، أنه قال: «... وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ» [صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد].
وأما ما روي عنه، صلى الله عليه وسلم، أنه صلى على أهل أحد وكبر على حمزة سبعين تكبيرة، فلا يصح [انظر: سبل السلام للصنعاني، 2/98]، وكذلك ما روي عنه، صلى الله عليه وسلم أنه «خَرَجَ يَوْمًا، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ» [صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد]، فهو من حديث عقبة بن عامر، رضي الله عنه، وهو محمول على الرواية الأخرى عنه، رضي الله عنه، أنه قال: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ، كَالْمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ» [صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أحد]، فكان ذلك بعد ثماني سنين، ولو كانت واجبة لما تركها في الأول، وصلاته، صلى الله عليه وسلم، عليهم تحتمل أموراً، منها: أن تكون من خصائصه، صلى الله عليه وسلم، ومنها أن تكون بمعنى الدعاء، ثم هي واقعة عين لا عموم فيها. [فتح الباري لابن حجر، 3/211].
وأما صلاة الغائب على غير الشهداء، فجائزة، وذلك لما روي عن عمران بن حصين، رضي الله عنه، أنه قال: «قال صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أَخًا لَكُمْ قَدْ مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ - يَعْنِي النَّجَاشِىَ» [صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب في التكبير على الجنازة].
وبالنسبة لدفن قتلى الكفار في مقابر خاصة، فذلك مشروع، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126].
مع التنويه إلى الواجب الشرعي والأخلاقي الملقى على المسلمين تجاه العمل على تحرير جثث الشهداء، ودفنهم وفق أحكام الشريعة الإسلامية، والله تعالى أعلم.
المفتي: الشيخ محمد أحمد حسين
المصدر: دار الإفتاء الفلسطينية· رقم 441
