Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الفلسطينية
🇵🇸المعاملات المالية

حكم أخذ التبرعات من بنك ربوي وحكم أخذ قرض منه بدون فائدة

❖ السؤال، وهو من شقين:

أ. ما حكم أخذ تبرعات من بنك ربوي وضوابط صرفها؟

ب. ما حكم أخذ قرض من بنك ربوي بدون فائدة، أو بفائدة تدفعها جهة أخرى كالحكومة؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛

• أ. حكم أخذ التبرعات من بنك ربوي وضوابط صرفها؟

فإن الحكم لا يتعلق بعين المال، بل بطريقة اكتسابه وصرفه، فالمال الذي يدخل على الإنسان من طريق محرم، كالربا، يكون حرامًا عليه هو، لا على غيره ممن لم يرتكب المحظور في تحصيله، وعليه فإن الجرم في المال الربوي إنما هو في الانتفاع الشخصي به، لا في كونه مالاً لا يجوز لغير صاحبه الانتفاع به في المصالح العامة.

ويؤيد ذلك ما ثبت في صحيح البخاري: «َّ أَنَّ النَّبِي، صلى الله عليه وسلم،َأُتِيَ بِلَحْمٍ، تُصُدِقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوٌ لَنَا هَدِيَّة» [ صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب إذا تحولت الصدقة]، وفي هذا إشارة إلى أن الحكم يتغير بحسب الجهة التي يصل إليها المال، فلا يتعين وصف المال بالحرمة في ذاته إذا لم تكن الجهة المتلقية آثمة.

والتبرعات التي تقدمها البنوك الربوية تنقسم إلى نوعين:

النوع الأول: إذا كانت التبرعات من الفوائد الربوية الصريحة، مثل أرباح الودائع، فهذه لا يجوز للبنك نفسه أو لأصحابها الانتفاع بها، لكن يجوز صرفها على الفقراء أو في مصالح عامة، كالمساعدات الإنسانية أو المشاريع الخدمية، بشرط: أن لا تُعد صدقة شرعية يُرجى بها الأجر من طرف المتبرع، وأن لا يُستخدم التبرع في مدح البنك أو الترويج له.

وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية: "إذا أعطى البنك الربوي مالاً ناتجًا من الفوائد الربوية، فلا حرج في صرفه على الفقراء أو المشاريع العامة، لأن هذه الأموال يجب التخلص منها".

النوع الثاني: إذا كانت التبرعات من أموال مختلطة، أو من رأس مال البنك، ولم تكن الفوائد الربوية هي المصدر الوحيد، فذهب بعض العلماء إلى منع قبول أي تبرع من جهة ربوية مطلقًا، سواء أكان المال خالصًا أم مختلطًا، لكن الراجح عند جمهور الفقهاء المعاصرين هو جواز قبول هذه التبرعات، بشرطين: ألا يكون التبرع مقابل خدمة دعائية أو مصلحة ترويجية للبنك، وأن يُصرف المال في وجوه الخير العامة، كالإغاثة والمشاريع الخدمية، دون توجيهه لبناء المساجد أو تمويل الأنشطة الدعوية مباشرة، إذ إن المال الخبيث لا يناسب الأماكن أو الأعمال الطيبة.

وفي ضوء ما سبق؛ فإن مجلس الإفتاء الأعلى يرى أن المسلم يجب أن يتجنب التعامل مع الربا ابتداءً، سواء في الأخذ أو العطاء، وإن اضطر لوضع أمواله في بنك ربوي، فلا يجوز له الاستفادة من الفوائد، ويجب عليه التخلص منها بصرفها في وجوه الخير العامة دون نية القربة، أما الأموال الربوية التي تصل إلى المؤسسات الخيرية أو العامة، فيجوز لها قبولها ويجوز صرفها لها، بشرط أن لا تُستخدم في المصالح التعبدية كالمساجد، ولا في الترويج للبنوك الربوية.

• ب. حكم أخذ قرض من بنك ربوي بدون فائدة، أو بفائدة تدفعها جهة أخرى كالحكومة؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فإن التعامل بالربا محرم في أصله، وقد اتفق العلماء على أن الربا من كبائر الذنوب المهلكة، وهو من المحرمات القطعية التي ثبت تحريمها في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال تعالى{: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون} )آل عمران: 130( وقال سبحانه : {وأحل الله البيع وحرم الربا( }البقرة: 275، ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه: اللَِّّ « لَعَنَ رسول ، صلى الله عليه وسلم، آكِلَ الرِبَا وموكله وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وقال هُمْ سَوَاءٌ» [صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا وموكله]

وبناء على هذه الأدلة، فإن الأصل هو تحريم كل عقد يتضمنُ زيادة ربوية، سواء صرح بها في العقد، أم أُدرجت ضمنًا، وسواء دفعها المقترض بنفسه أم تولت دفعها عنه جهة ثالثة؛ لأن المحرم هو الدخول في عقد ربوي مشروط فيه الربا، لا مجرد دفعه أو جهة دفعه، وقرر الفقهاء أن" :كل قرض جر نفعًا فهو ربا"، كما تقرر في قواعد العقود أن: "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني،" وعليه، فإن من يبرم عقد قرض يتضمن زيادة ربوية ولو لم يدفعها بنفسه، يكون داخلاً في دائرة المحرمات، ما دام قد التزم بشرط ربوي ظاهر أو ضمني أو رضي به.

الحالات المتفرعة عن هذا الأصل:

1. إن كان القرض من المصرف الربوي خاليًا تمامًا من الزيادة الربوية، ولم يتضمن العقد أي شرط ربوي، سواء صريحًا أو ضمنيًا، ولم يكن القرض ضمن برنامج تمويلي ربوي، فلا حرج به، لأن العبرة بحقيقة العقد لا بالمُقرِض.

2. إن كان القرض يتضمن شرط الزيادة الربوية، ووق ع عليه المقترض شخصيًا، فهو عقد ربوي محرم، حتى لو دفعت الربا جهة أخرى نيابة عنه -كجهة العمل-، لأن الرضا بشرط الربا، والدخول فيه، يُعد مشاركة في العقد المحرم، وهو ما لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعليه، فقال ":هم سواء".

3. أما إذا كانت جهة العمل هي الطرف المتعاقد مع البنك، والمستفيد لا تربطه أي علاقة تعاقدية مباشرة بالبنك، ولم يُشترط عليه في العقد التزام ربوي، وإنما حصل على التمويل من خلال برنامج دعم حكومي، فلا حرج على المستفيد في هذه الحالة، لانتفاء العلاقة التعاقدية بينه وبين البنك، وسلامة العقد في جانبه من الشروط المحرمة.

وعليه؛ فإن مجلس الإفتاء الأعلى يرى أن الضابط في الحكم الشرعي هنا هو العلاقة التعاقدية، والتزام الطرف المستفيد بشرط ربوي، فإن دخل المستفيد في عقد قرض يتضمن زيادة ربوية صريحة أو ضمنية، فهو محرم شرعًا، سواء دفعها هو أم تولت ذلك جهة أخرى. أما إذا خلا العقد من الزيادة الربوية، أو كان التمويل عن طريق جهة أخرى دون أن يكون المقترض طرفًا في عقد ربوي، فلا حرج عليه، وبناءً عليه، فإن من أبرم عقد قرض شخصي مع بنك ربوي، واشترط فيه دفع ربا (ولو قامت جهة أخرى بدفعها عنه)، فقد دخل في الربا، ويأثم بذلك.

والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.

المصدر: مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين· رقم مجلس-473