حين يرى النائم أن حادثًا وقع في شوارع المدينة وسط الزحام فإنه يستيقظ غالبًا وهو مثقل بالضوضاء والتوتر. والرؤيا رمزية في أصلها ولا تدل على حدوث حادث في الواقع، ولا ينبغي أن تُقرأ على أنها خبر عن شيء قادم. والمدينة في الرموز تمثل الحياة الاجتماعية الكثيفة وتزاحم العلاقات والمهام. ولذلك تتصل دلالة المشهد بحال الرائي مع محيطه ووتيرة أيامه. وما يلي احتمالات يتفاوت فيها المعبّرون.
يرمز المكان المزدحم في المدينة إلى تعدد الالتزامات وتقاطع المصالح وكثرة ما يطلبه الآخرون من الإنسان. وحين يقع فيه عارض في المنام فقد يعبّر ذلك عن خوف من فقدان السيطرة على جدول مزدحم أو عن إرهاق من ضجيج الحياة. ويتصل الحادث عمومًا بالتغير المفاجئ والتوتر وبالضغوط المتراكمة وبالحاجة إلى الانتباه والتمهل. ولا يُجزم بأمر بعينه، فقد تكون الصورة صدى ليوم طويل قضاه الرائي في الطرقات. وكل ذلك يبقى في دائرة الاحتمال.
نُسب إلى ابن سيرين في باب المدن والبلدان أن البلد يدل على أهله ومعاملاتهم، وأن ما يجري فيها في المنام يُحمل على ما يجري بين الناس من أمور. وعلى هذا الأصل قد يُفهم العارض في شوارع المدينة على أنه تعثر في تعامل مع جماعة أو في أمر يتعلق بالمجتمع المحيط بالرائي. ولا يثبت عنه نص مخصوص في الحوادث بصورتها المعروفة اليوم. فالقول قياس على أصوله العامة. ويبقى الفهم احتمالًا من الاحتمالات.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الازدحام في الرؤيا يدل على كثرة الهموم وتزاحم الأشغال، وأن ما يعرض فيه من عارض يُحمل على مفاجأة وسط أمور متشابكة، وأن السلامة منه تدل على زوال الهم. وفهم آخرون المشهد على أنه خوف من كلام الناس أو من مقارنة النفس بغيرها. ورأى فريق ثالث أنه ضغط نفسي يتخذ شكل ما اعتاده الرائي من زحام. وفي هذا الاختلاف ما يبين ظنية الأقوال وسعة الباب.
يتغير المعنى بحسب السياق. فإن كان الرائي سائقًا فقد يرتبط الحلم بشعوره بالمسؤولية عن اتجاه حياته وسط الزحام، وإن كان راجلًا فقد يعكس إحساسه بالضعف أمام إيقاع المدينة السريع. وإن اجتمع الناس وتعاونوا فهو يميل إلى معنى الدعم والسند، وإن ساد الصخب فقد يعبّر عن تزاحم الأفكار. وإن كان المشهد عند إشارة المرور فقد يرتبط بالحاجة إلى التوقف وإعادة التنظيم. وللوقت وحال الطقس أثر في الدلالة.
للشاب الأعزب قد يرتبط الحلم بطموح الانتقال إلى المدينة أو بقلقه من منافسة كثيرة فيها. وللمغترب أو القادم قريبًا إلى مدينة جديدة قد يكون صدى لغربته وتأقلمه. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن توازنها بين مشاويرها ومسؤوليات البيت. وللأب أو الأم قد يعكس قلقًا على الأبناء في الطرقات المزدحمة. وكل ذلك قراءات تقريبية لا قاعدة ثابتة.
ولمن يعمل في وسط المدينة أو يقود فيها يوميًا قد يكون المنام صدى لتعب الزحام، فلا يحتاج إلى تأويل بعيد. وللطالب قد يرتبط بسرعة الأيام الدراسية وضغط المواعيد. وللموظف قد يعكس انشغاله بالمهام المتزاحمة. ولمن شاهد مشهدًا مماثلًا في الأخبار قد يكون الحلم استعادة لأثر ما رآه. وفي كل الأحوال يُنظر إلى الصورة على أنها انعكاس لحال النفس.
وللتفاصيل أثرها في التأويل. فإشارات المرور قد ترمز إلى حاجة إلى التنظيم، والمشاة قد يرمزون إلى مسؤوليات تجاه الغير، وأبواق السيارات إلى ضجيج الأفكار. والأضواء الساطعة قد ترمز إلى كثرة المؤثرات، والشارع الواسع إلى سعة في الخيارات. ووجود رجل المرور قد يدل على حاجة إلى من ينظم الأمور. وكل عنصر يُقرأ ضمن الصورة كلها.
من الناحية العملية، يفيد هذا الحلم دافعًا إلى تخفيف الازدحام في الجدول اليومي والخروج مبكرًا لتجنب التعجل. وينفع الالتزام بالسرعة المحددة وربط حزام الأمان وعدم استعمال الهاتف أثناء القيادة وعدم القيادة مع التعب. وتخفف تمارين التنفس والنوم الكافي والمشي من التوتر الذي يغذي مثل هذه الصور. والحلم ليس نصيحة طبية أو قانونية أو نفسية متخصصة. وإذا استمر الخوف الشديد أو تكررت الكوابيس أو الإحساس بالصدمة فمن الحسن الكلام مع مختص أو أحد الأهل.
يبقى هذا التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار مهم. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه النائم لا يكشف له ما سيكون. ويحسن أن يتجه الذهن إلى العمل والتخطيط الهادئ وإلى الدعاء لله بأن يمنح الرائي السلامة والطمأنينة. وحسن الظن بالله يبعث في القلب سكينة ويعين على مواجهة الأيام بثبات. ويُدعى الله أن يجعل كل رؤيا خيرًا وأن يحفظ الجميع في طرقهم وبيوتهم.
