حين يرى النائم أنه يسمع أذان العصر فإن الصورة تأخذ طابع الساعات المتأخرة من النهار، حيث تميل الشمس ويبدأ التعب يظهر على الجميع. وهو وقت يعرفه الناس بثقل الجسد وقرب انتهاء العمل وبداية التفكير في العودة إلى البيت. ولذلك يحمل الحلم به إيحاءات تختلف عن بقية الأوقات. والرؤى رموز تحتمل أكثر من قراءة، فلا يُبنى عليها جزم ولا يُنتظر منها خبر.
في الرمز يدل العصر على الجزء الأخير من المسيرة اليومية، فهو وقت الحصاد القريب وإتمام ما بقي من أعمال. وحين يُنادى فيه فالصورة تجمع معنى الوقت المتقدم مع معنى التذكير، فتوحي بأن للوقت قيمة وأن ما بقي منه ينبغي أن يُستثمر بهدوء. وقد يرمز كذلك إلى الصبر عند الإرهاق، إذ يبقى الإنسان في هذه الساعات مثقلًا لكنه قريب من الراحة. ويحمل الأذان هنا معنى الدعوة إلى التوقف قليلًا قبل أن تنتهي الفرصة. وهذه كلها قراءات عامة مفتوحة للاحتمال.
أقسم الله تعالى في كتابه بالعصر، فقال: ﴿وَٱلْعَصْرِ﴾ (سورة العصر، الآية 1). والمفسرون ذكروا في معنى العصر أن المراد به الدهر والزمان، وذكر بعضهم وقت العصر من النهار. وفي هذا ما يذكّر بقيمة الزمن وسرعة مروره. وليست الآية تعبيرًا لحلم ولا تحمل وعدًا أو وعيدًا للرائي. وإنما تُذكر لتقريب معنى الوقت في الوعي، لأن الأذان نداء مرتبط بالأوقات.
ذكر بعض المعبّرين في أبواب التعبير أن الأذان يدل على إعلان الأمر وإظهاره، وأن المعنى يختلف بحسب قوة الصوت ووضوحه. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن سماع النداء فيه معنى الدعوة إلى الخير والتجمع عليه. ولم يرد في ما يتداوله الناس عنهما كلام مفصل عن أذان العصر على وجه الخصوص. ولذلك فإن ربط الأذان بوقت العصر يظل اجتهادًا في القراءة وليس نقلًا ثابتًا، والأولى أخذه على سبيل الاستئناس.
يتأثر المعنى بحال الضوء والمكان. فالشمس المائلة والظلال الطويلة مع صوت الأذان الهادئ توحي بمعاني التأني والانتهاء الهادئ للمهام. وإذا كان الجو مغبرًا أو مزدحمًا فقد تدل الصورة على إرهاق الذهن وكثرة الأعباء. وإذا ظهر الأذان بينما الرائي ينجز عملًا فقد يعبّر الحلم عن رغبة داخلية في إنهاء ما بدأه على وجه طيب. وكل ذلك يُنظر فيه مع شعور الرائي حين استيقظ.
يختلف الفهم باختلاف حال الرائي. فمن كان في عمل مرهق قد يعكس الحلم شعوره بقرب انتهاء يومه وحاجته إلى الاستراحة. ومن كان طالبًا قد يعكس موعد انتهاء الدروس وتنظيم الوقت للمراجعة. ومن كان في سن متقدمة قد يستحضر به إيقاع أيام اعتاد عليها وطمأنينة الألفة. ومن كان مشغولًا بأمر مؤجل قد يكون الأذان صورة لفكرة أن الوقت يمر وأن التأجيل المستمر يثقل النفس. وهذه قراءات للمعاني النفسية الممكنة لا أكثر.
للتفاصيل أثر في الدلالة. فمن سمع الأذان واضحًا ثم رأى الناس يتجهون إلى بيوتهم فالصورة قد تحمل معنى الانتهاء والعودة إلى السكن. ومن سمعه ولم يتوقف عمّا بين يديه فقد تدل على تأجيل متكرر لحاجة داخلية. ومن سمعه بصوت بعيد خافت فقد تكون الإشارة إلى معنى يحتاج إلى مزيد من الانتباه. ومن سمعه في مكان مرتفع مشرق فالصورة أقرب إلى الوضوح والانفتاح.
من الجانب النفسي قد تتكرر هذه الرؤيا عند من يعيش ضغطًا في نهاية يومه، أو عند من يشعر أن الوقت يفلت منه قبل أن ينجز ما أراد. ويمكن للرائي أن يتأمل جدوله اليومي ويسأل نفسه عما يمكن تخفيفه أو ترتيبه بطريقة أهدأ. وهذا ليس نصيحة طبية ولا نفسية. ومن عانى من إرهاق مستمر أو قلق متواصل فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله ممن يثق بهم.
وقد يكون الحلم ببساطة صدى لساعات مرت على الرائي في اليوم السابق، فالعقل يعيد تشكيل المشاهد التي مرت به بأشكال مختلفة. فلا يحسن أن يُحمّل كل جزء منها دلالة خاصة. ويكفي أن يأخذ الرائي من الصورة تذكيرًا لطيفًا بقيمة وقته وحاجته إلى التوازن. ومن بالغ في السؤال والبحث ضاعت منه الطمأنينة التي قد يحملها الحلم نفسه. ومن الحسن أن يتذكر الرائي أن الساعات المتأخرة من النهار ترتبط في الغالب بالتعب، فيكون من الطبيعي أن تتلون الرؤى فيها بمعاني الإرهاق والتأني. وليس في ذلك ما يدعو إلى القلق، فهي صور يعرفها كل من عمل وجدّ طوال يومه، وإذا بقي أثر الحلم لطيفًا في النفس فيكفي الرائي أن يمضي إلى يومه بهدوء.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُعد خبرًا عن أمر قادم. والغيب لا يعلمه إلا الله. ويحسن بالرائي أن يحمد الله على كل خير، وأن يدعوه أن يبارك في أوقاته وأعماله. وليكن قلبه عامرًا بحسن الظن بربه مهما بدت الصورة.
