سماع الأذان في العمل في المنام صورة مألوفة عند كثير من الناس، لأن العمل مكان يقضون فيه ساعات طويلة، والأذان صوت يتخلل أوقاتهم. فإذا اجتمعا في حلم واحد فقد يتساءل الرائي عن دلالة ذلك. والرؤى رموز لا يُقطع بتأويلها، وما يرد هنا قراءات عامة هادئة. وهي لا تتنبأ بشيء يخص عمله أو مستقبله المهني ولا تعد بنتيجة.
في الرمز يدل العمل على الجهد والمسؤولية والانشغال بتحقيق الأهداف، ويدل الأذان على النداء الذي يقطع الانشغال ليذكّر بالوقت. وحين يجتمع الاثنان في صورة واحدة فالمعنى يميل إلى فكرة التوازن بين الجهد والراحة، وبين الانغماس في المهام وبين الانتباه إلى ما هو أهم. وقد تعبّر الصورة عن حاجة الرائي إلى وقفة تعيد ترتيب أولوياته، أو عن شعور بأن العمل يستغرق وقته أكثر من اللازم. وقد تعبّر أيضًا عن رغبة في بيئة عمل أهدأ وأكثر تنظيمًا. وكل ذلك اجتهاد في الدلالة العامة.
ورد في الحديث الصحيح المتفق عليه بمعناه أن الرؤيا الحسنة إذا رآها الإنسان فلا يحدّث بها إلا من يحب. وفي هذا أدب لطيف في التعامل مع الأحلام، فهو يحفظ الرائي من أن يُسأل عن حلمه فيجد من يستخف به أو يهوّل أمره. وتتصل هذه الفكرة بالعمل من جهة أن بعض الزملاء قد يفسّرون الأحلام بما لا يناسب، فيكون الأولى الاكتفاء بمن يحسن الظن. ولا يعني الحديث أن في الحلم رسالة تخص الرائي، فهو أدب عام فقط.
ذكرت بعض كتب التعبير المتداولة أن الأذان يدل على الإعلام والنداء، وأن المكان الذي يُسمع فيه يؤثر في المعنى. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن سماع الأذان يدل على الدعوة إلى الخير والاجتماع عليه. وهذه الأقوال لا يثبت بعضها بإسناد محقق وتختلف صياغتها بين الكتب. فهي للاستئناس، ولا ينبغي أن تُربط بترقية أو تغيير أو حدث في العمل، فمثل هذا الربط ظن لا دليل عليه.
يتأثر المعنى بحال العمل في الحلم. فإن كان المكان هادئًا والرائي منتظمًا في مهامه والأذان يمر بسلام فالصورة أقرب إلى الانسجام. وإن كان العمل مزدحمًا والأذان يقطع انشغالًا شديدًا فقد تعبّر عن الحاجة إلى فاصل. وإن كان الرائي لا يستجيب للنداء ويستمر في مهامه فقد تعبّر الصورة عن تأجيل متكرر لحاجات داخلية. وإن كان في عمل غير مألوف فقد تعبّر عن تجربة جديدة. وشعور الرائي هو القرينة الأولى في ذلك.
يختلف المعنى بحال الرائي. فالموظف الذي ينجز مهام كثيرة قد يعكس الحلم عنده شعوره بضرورة الوقوف قليلًا، والعامل في المصنع قد يعكس عنده ثقل الجهد البدني وحاجته إلى الراحة. ومن كان يعمل من البيت قد يكون الحلم صدى لخلط حدود الوقت بين العمل والبيت. ومن كان عاطلًا قد يعبّر الحلم عنده عن اشتياقه إلى إيقاع منتظم. وكلها قراءات نفسية عامة.
للتفاصيل أثر. فمن سمع الأذان وهو منكب على عمله ثم رفع رأسه فالصورة قد تعبّر عن وعي النفس بحاجتها. ومن سمعه ولم يرفع رأسه فقد تدل على انغماس شديد. ومن رأى زملاءه يتفاعلون مع النداء فقد تعبّر الصورة عن معنى الجماعة في العمل. ومن رأى المكان صامتًا والأذان وحده يعلو فقد تدل على حاجة إلى الصفاء وسط الانشغال. وتُقرأ هذه التفاصيل مع بقية الحلم.
من الجانب النفسي قد يظهر هذا الحلم عند من يعمل لساعات طويلة بلا انقطاع، أو عند من يحمل هموم العمل إلى بيته، أو عند من يسمع الأذان في مكان عمله فتتشكل منه صور الحلم. ويمكن للرائي أن يتأمل جدول يومه، وهل يمنح نفسه استراحات صغيرة تساعده على الاستمرار بهدوء. وهذا ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ومن عانى من إرهاق مستمر أو ضغط يثقل حياته فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله أو من يثق بهم.
ومن اللطيف أن يتذكر الرائي أن الأذان في مكان العمل قد يكون صدى واقعيًا لصوت يسمعه في يومه من مسجد قريب أو من هاتف زميل، فيتسلل إلى الحلم كما تتسلل مشاهد أخرى مما مر به نهارًا. والعقل أثناء النوم يعيد تركيب هذه المشاهد بلا ترتيب واضح، ولذلك يحسن ألا يُثقل الحلم بتأويلات بعيدة. وفي كثير من الأحيان لا يكون وراء الصورة إلا انعكاس بسيط لحياة يومية مألوفة.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يخبر بغيب ولا يُبنى عليه قرار في العمل أو غيره. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ويحسن بالرائي أن يحمد الله على ما رأى من صورة هادئة، وأن يدعوه أن يبارك له في أعماله وأوقاته. وحسن الظن بالله خير ما يحمله الإنسان إلى مكان عمله.
