قد يرى الإنسان الأذان في آخر نومه، في تلك الفترة التي يقترب فيها من الاستيقاظ، فيسمع النداء ثم يستيقظ وصداه ما زال في أذنه. وهذه الصورة تُقرأ قراءة رمزية عامة، فليس في وقوعها قبيل الاستيقاظ دليل على أمر قادم ولا على رسالة غيبية. والأقرب أنها تعبّر عن مرحلة انتقال بين النوم واليقظة يختلط فيها صوت الحلم بصوت الواقع. ويعرض هذا المقال احتمالات للتأمل فقط، ويترك الجزم لله وحده.
الأذان نداء يعلن بداية وقت جديد، والاستيقاظ نفسه بداية يوم جديد، فاجتماعهما في حلم واحد يوحي بمعنى البدايات الهادئة. وقد يُقرأ ذلك رمزيًا على أنه صورة لتهيؤ الرائي لاستقبال يومه، أو لرغبة في أن يبدأ صباحه بصوت مألوف يمنحه السكينة. وقد يعبّر كذلك عن اندماج صوت حقيقي في المنام، فالنائم في آخر نومه يكون أخف نومًا وأقرب إلى سماع ما حوله. ويتفاوت المعنى بحسب وضوح الصوت وشعور الرائي. ولا يُجزم بدلالة واحدة.
وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ (سورة التكوير، الآية 18). وفي الآية ما يذكّر بمعنى الصبح حين يبدأ ويتسع، وبأن البدايات الجديدة من آيات الله في الكون. وهذا الاستشهاد لبيان معنى البداية الصافية في عموم الخلق، لا لتفسير الحلم ولا لتنزيل الصبح على حال الرائي ولا لتبشيره بشيء. والأذان في الذاكرة يرتبط كثيرًا بهدوء الفجر وسكونه.
ويذكر بعض المعبّرين في بعض كتب التعبير أن الأذان يُحمل على الدعوة إلى أمر مهم أو الإعلام به، وذهب آخرون من المعبّرين إلى معنى قريب يدور حول التذكير. وقد يُذكر في كتب التعبير شيء عن أوقات الرؤيا وتفاوت دلالتها، وتتباين الروايات في ثبوت ذلك اختلافًا واسعًا. ولا يوجد فيما يُذكر ما يخص الأذان قبيل الاستيقاظ على وجه التحديد. فيبقى ما يُعرض هنا اجتهادًا عامًا لا يُلزم أحدًا، والمرجع فيه معرفة الرائي بحاله.
ويتأثر المعنى بالسياق، فإن كان الأذان واضحًا مريحًا وانتهى الحلم بهدوء فقد يُقرأ ذلك على أنه تهيؤ لطيف ليوم جديد. وإن كان الصوت أخذ في الاقتراب حتى تحول إلى صوت حقيقي فهو غالبًا أذان فعلي سُمع من مسجد أو جهاز. وإن كان الحلم قلقًا وانقطع بالأذان فقد يرتبط بارتياح من حلم مزعج. وإن كان الرائي قد أعدّ منبّهًا بصوت الأذان فهذا هو التفسير الأقرب لما سمع. وكل ذلك احتمال رمزي لا يُقطع به.
وأقرب أسباب هذه الصورة أن النائم يسمع في آخر نومه أصواتًا حقيقية حوله، فإذا كان في محيطه أذان للفجر أو لوقت آخر دخل صوته في الحلم وصار جزءًا منه. وهذا ظاهرة معروفة في الأحلام، تُسمى دمج المؤثرات الخارجية في المنام. ولا تحمل هذه الحال معنى خاصًا ولا رسالة. ولذلك لا يُحمَّل الأذان الذي يُسمع قبيل الاستيقاظ أكثر مما يحتمل، فهو في الغالب أذان حقيقي لا غير.
ومن التفاصيل التي يُلتفت إليها: هل كان الرائي يسمع الأذان في حلم له قصة، أم كان الصوت وحده بلا مشهد، وهل وافق ذلك وقتًا يُسمع فيه الأذان عادة في محيطه. فإن وافق وقتًا معروفًا فالتفسير الأقرب أنه صوت حقيقي، وإن لم يوافق فهو أثر ذاكرة. ولا يُعطى لكل تفصيل معنى ثابت، فالأهم هو الشعور الذي بقي بعد الاستيقاظ، فإن كان هدوءًا فهو القراءة الأرجح.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يفيد من يرى هذا الحلم أن يجعل لبداية يومه إيقاعًا هادئًا، فيستيقظ دون استعجال، ويمنح نفسه دقائق قبل أن ينشغل بهاتفه ومهامه. وقد يفيده أن ينام في وقت مناسب ليستيقظ مرتاحًا. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإن استمر القلق أو اضطراب النوم وأثر في الحياة اليومية فالأنسب التحدث مع مختص أو مع أحد الأهل الموثوقين. وبدايات الأيام الهادئة تهيئ للقلب سكينته.
وقد ورد بمعنى الحديث المتفق عليه أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، وأن من رأى رؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب. وفي هذا ما يعلّم الرائي أن الأحلام التي تأتي قبيل الاستيقاظ كثيرًا ما تختلط بما حولها من أصوات وأفكار. فلا يُبنى على الأذان قبيل الاستيقاظ شيء من التوقعات أو المخاوف. ويكفي أن يأخذ الرائي منه معنى البداية الهادئة ثم يمضي إلى يومه مطمئنًا.
وفي الختام فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه ويدعوه بالتوفيق وبداية يوم مبارك. وأن يأخذ من الحلم معنى الهدوء دون ثقل. والله أعلم بالصواب، وهو الرحيم القريب.
