الأذان من أكثر الأصوات حضورًا في وجدان المسلمين، ولذلك يتكرر ظهوره في المنام على صور مختلفة، فيسمعه بعضهم من بعيد ويسمعه آخرون من مسجد قريب أو بيت مألوف. وهذه الرؤيا تُقرأ قراءة رمزية عامة لا قراءة خبرية، فليس فيها ما يدل على أمر قادم ولا على رسالة غيبية. والأقرب أنها تعبّر عن معان نفسية وإنسانية عامة مرتبطة بالوقت والذكر والجماعة. ويعرض هذا المقال تلخيصًا لأشهر هذه المعاني على سبيل التأمل، ويترك الجزم لله وحده.
الأذان في أصل رمزيته نداء يعلن الوقت ويدعو إلى الاجتماع، وله ثلاثة وجوه كبرى في القراءة الرمزية. الوجه الأول معنى التذكير والانتباه إلى ما قد ينشغل عنه الإنسان في يومه. والوجه الثاني معنى الجمع والألفة والشعور بأن للرائي مكانًا بين الناس. والوجه الثالث معنى السكينة التي يشعر بها كثيرون عند سماع صوت مألوف بعد تعب. ويتفاوت حضور كل وجه بحسب هيئة الصوت وحال الرائي وما اجتمع في الحلم من تفاصيل.
وفي القرآن الكريم يذكر الله تعالى النداء إلى الصلاة، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة الجمعة، الآية 9). وفي الآية ما يدل على مكانة النداء في القرآن وصلته بذكر الله. وفي الحديث المتفق عليه قال النبي ﷺ: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن». وهذا الاستشهاد لبيان مكانة الأذان في الوجدان الإسلامي فحسب، لا لتفسير الحلم ولا لبيان شيء يخص الرائي، ولا لتبشيره بشيء.
ويذكر بعض المعبّرين في بعض كتب التعبير أن الأذان يُحمل على الدعوة إلى أمر مهم أو الإعلام به، وذهب آخرون من المعبّرين إلى معنى قريب يدور حول التذكير والإعلان. وتتفاوت الروايات في ثبوت هذه الأقوال، ويختلف المعبّرون في تفصيلها اختلافًا واسعًا، ولا يُجزم بمعنى واحد. ولذلك فإن ما يُذكر من أقوالهم يبقى احتمالات تُعرض ولا تُلزم. ويظل الأصل في فهم الرؤيا هو معرفة الرائي بنفسه وبما يعيشه من أحوال.
ويتغير معنى الأذان في المنام بحسب السياق، فالأذان القريب الواضح غير البعيد المتقطع، والأذان في الفجر غير الأذان في المغرب. وقد يُقرأ الأذان الهادئ في الضوء الصافي على أنه صفاء وبداية، ويُقرأ في المساء على أنه سكون وختام لطيف ليوم طويل. وقد يتصل علو الصوت بحضور قوي لمعنى ما، وخفوته بانتقال إلى هدوء. وإن رافقه شعور بالراحة مال المعنى إلى الطمأنينة، وإن رافقه توتر فقد يرتبط بانشغال يومي. وكل ذلك احتمال رمزي.
ويختلف وقع الأذان بحسب حال الرائي، فالمنشغل بعمله قد يراه تذكيرًا بالتوازن، والمتعب قد يراه دعوة إلى الراحة، ومن كثر عليه الازدحام قد يراه رغبة في الألفة. وقد يراه الغريب عن أهله صدى للأنس الذي افتقده، ويراه القريب منهم امتدادًا لما يعيشه في بيته. وليس في هذا تصنيف للناس ولا اتهام لأحد بالغفلة أو التقصير. فهو مجرد تنوع في ما يحمله كل إنسان في قلبه حين يسمع هذا الصوت.
ومن التفاصيل التي يُلتفت إليها: من كان المؤذن، وكيف كان الصوت، وأين كان الرائي، وما الوقت في الحلم، وكيف كان الجو واللون والضوء، وماذا جرى بعد الأذان. وقد يكون الأذان في الحلم صدى لصوت حقيقي سمعه النائم في محيطه أو في يومه، وهذا من أشهر الأسباب وأقربها. ولا يُعطى لكل تفصيل معنى ثابت، فالأهم هو الشعور العام الذي بقي بعد الاستيقاظ، فإن كان هدوءًا فهو القراءة الأرجح.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يفيد من يرى الأذان في منامه أن يخصص لنفسه أوقاتًا هادئة ثابتة في يومه للراحة والذكر واللقاء بمن يحب، وأن ينظم نومه ويخفف الأصوات والشاشات قبله. وقد يفيده أن يتأمل ما يشغله من أموره فيرتبها بهدوء. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإن استمر القلق أو اضطراب النوم وأثر في الحياة اليومية فالأنسب التحدث مع مختص أو مع أحد الأهل الموثوقين. والإنسان يحتاج إلى من يؤنسه كما يحتاج إلى من يذكّره.
وقد ورد بمعنى الحديث المتفق عليه أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، وأن من رأى رؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب، وأن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره. وفي هذه الآداب ما يحفظ القلب من الانشغال الزائد بالأحلام. فلا يُجعل الأذان في المنام مادة للتوقع أو الخوف أو الجزم. ويكفي أن يأخذ الرائي منه معنى التذكير والألفة والسكينة ثم يمضي إلى يومه مطمئنًا.
وفي الختام فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه ويدعوه بالتوفيق والسكينة وصلاح الحال. وأن يأخذ من الحلم معنى الأنس والتذكير دون ثقل. والله أعلم بالصواب، وهو الرحيم القريب المجيب.
