ثبت في الأحاديث المتفق عليها أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وأن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان. وهذا يعلّم الرائي ألا يجعل المنام مرجعًا يقينيًا لشيء. وحلم اختلاف الأذان بين مساجد مشهد يسمع فيه الرائي أصواتًا متعددة تنادي في آن واحد، أو بأنغام وأوقات متفاوتة. وهذه الصورة تحمل معنى تعدد الأصوات وتنوع النداءات. وما يلي قراءة رمزية عامة تحتمل وجوهًا.
الأذان في الرمزية العامة نداء ودعوة وانتباه إلى الوقت واجتماع. فإذا تعددت الأصوات واختلفت الأنغام في الحلم، فالصورة تدور حول كثرة المصادر التي تنادي الرائي، أو حول تنوع الأصوات التي يسمعها من محيطه. وليس في اختلاف الأصوات في الحلم خلل في شيء، فالمنام لا يتحدث عن الأذان في الواقع، وإنما يستعمل الأصوات المتعددة صورة لشعور داخلي. وقد تعبّر الصورة عن تعدد الآراء حول أمر واحد، أو عن أصوات مألوفة تتجاور في الذاكرة. والمعنى يتحدد بحال الرائي.
واختلاف الأصوات التي تصل من أكثر من مسجد في الحلم صورة مألوفة لمن يسكن في مكان تتجاور فيه المساجد، فيسمع الأذان من جهات متعددة بنبرات متفاوتة. وقد تُقرأ هذه الصورة رمزيًا بوصفها تعبيرًا عن تعدد المؤثرات التي تحيط بالإنسان أو عن شعوره بأن حوله أصواتًا كثيرة تطلب انتباهه. وهذه قراءة عامة لا تُنزَّل على الحلم المحدد ولا يُبنى عليها جزم، وتبقى مجرد استئناس.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير أن النداء في الرؤيا يدل في الجملة على الإعلام والدعوة، ويختلف التفسير بحسب عدد المنادين وحال السامع. وذكر آخرون من المعبّرين أن اجتماع الأصوات في الرؤيا يُقرأ بحسب ما يحيط بها من سكينة أو اضطراب. ولا يمكن الجزم بنص ما سبق، فالأقوال تختلف من نسخة إلى أخرى. ومن المعبّرين من يربط تعدد الأصوات بتعدد الآراء ومنهم من يربطه بتعدد الدعوات إلى الخير. والأحوط أن تُعد إشارات عامة لا غير.
وللسياق أثر. فإن كانت الأصوات المتعددة منسجمة رغم اختلافها، فالصورة أقرب إلى معنى الثراء والتنوع. وإن كانت متداخلة مربكة، فقد ترمز إلى كثرة الآراء التي يسمعها الرائي حول أمر ما فيحتار بينها. وإن كان الرائي يميّز صوتًا من بينها فقد يدل على ميل إلى مصدر يألفه. وإن كان لا يميّز شيئًا فقد يدل على ازدحام في الذهن. وكلها قراءات احتمالية.
وللرائي أثر في المعنى. فمن يعيش بين أحياء كثيرة قد يكون الحلم عنده امتدادًا لما يسمعه فعلًا، والمسافر قد يرى فيه تذكيرًا بمدن مرّ بها. وطالب العلم قد يرى فيه تنوع المعلمين والآراء، والمتزوج قد يرى فيه تنوع أصوات الأسرة وآرائها. ومن يحمل حيرة في أمر قد يظهر الحلم عنده صورةً لها. ولا يُفرض على أحد معنى لا يجده.
وتفاصيل المشهد تعطي القراءة ألوانها. فإن كان الاختلاف في الإيقاع فقط فقد يشير إلى تفاوت في الأساليب لا في المقصد، وإن كان في التوقيت فقد يشير إلى تفاوت في المواعيد التي يسمعها الرائي من حوله. والمكان، إن كان مدينة أو قرية أو طريقًا، يضيف إيحاءه. وتجاور المساجد في الحلم قد يرمز إلى تقارب الجماعات. والشعور بالراحة أو الحيرة هو الأساس.
ومن الجانب النفسي قد يكون الحلم انعكاسًا لحال سماع آراء متعددة في أمر يشغل الرائي، فيحول الدماغ تلك الأصوات إلى أصوات نداء مألوفة. وقد يفيد الرائي أن يرتب الآراء التي سمعها ويعرضها على أهل الثقة والخبرة بهدوء. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، والحلم لا يشخّص حالًا. وإن كان الارتباك مستمرًا أو أثّر في الحياة فالحديث مع مختص أو أحد الأهل أمر حسن.
وقد يتساءل الرائي هل اختلاف الأذان في المنام يخبر عن اختلاف في الواقع، والجواب أن الحلم صورة لا خبر. فالأصوات في المنام تُركَّب من الذاكرة كما تُركَّب سائر المشاهد، ولا تعبّر بالضرورة عن شيء خارجها. والأقرب أن تُقرأ بوصفها تنوعًا في النداء لا اضطرابًا فيه. وفي الاطمئنان إلى هذا ما يريح الرائي من التفكير الزائد.
وخلاصة القول إن اختلاف الأذان بين مساجد في الرؤيا يُقرأ رمزيًا على أنه تعدد في الأصوات وانتباه إلى تنوع النداءات، وتختلف دلالته بحسب الرائي والتفاصيل. وهذا اجتهاد بشري ظني لا يُقطع به. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليحسن الرائي ظنه بربه، وليدعُه بالتوفيق وصفاء القلب. ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره.
