رؤية الإنسان نفسه وهو يؤذن في المنام صورة لافتة، لأنها تضع الرائي في موضع المنادي بعد أن كان في الغالب سامعًا. فإذا رآها الإنسان في منامه فقد يتساءل عن دلالتها وعن معنى أن يرفع هو النداء. والرؤى رموز لا يُقطع بتأويلها، وما يرد هنا قراءات عامة هادئة. وهي لا تدل على منزلة ولا على مصير ولا تبشر بشيء ولا تعد بنتيجة. وغاية ما فيها قراءة رمزية نفسية عامة.
في الرمز يدل الأذان على النداء الذي يذكّر بالوقت ويجمع الانتباه، ويدل رفع الصوت به على التعبير والإفصاح والوصول إلى الآخرين. وحين يرى الإنسان نفسه في موضع المنادي فالمعنى يميل إلى فكرة التعبير عما في داخله بوضوح، أو الرغبة في أن يكون صوته مسموعًا. وقد تعبّر الصورة عن شعور بالمسؤولية تجاه تذكير من حوله بأمر ما. وقد تعبّر أيضًا عن رغبة في ترتيب الأفكار وإعلانها بهدوء. وكل ذلك اجتهاد نفسي في الدلالة العامة، ولا يُراد به وصف حال الرائي في دينه أو مكانته.
ورد في الحديث الصحيح المتفق عليه بمعناه أن من رأى رؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب. وفي هذا أدب لطيف يناسب مثل هذه الصورة التي قد يميل صاحبها إلى التفاخر بها أو تحميلها فوق ما تحتمل. ويُذكر الحديث هنا بوصفه أدبًا عامًا في التعامل مع الأحلام، ولا يُراد به أن الحلم يحمل رسالة تخص الرائي. وحسن الظن بالله والتواضع في الحديث عن الرؤى أولى من الاستعجال في تأويلها.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير أن الأذان يدل على الإعلام والنداء، وأن أثر الصورة يتغير بحال من يرفعه وصوته. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن النداء بالأذان يرتبط بالدعوة إلى الاجتماع على الخير. وتختلف عبارات الكتب في ذلك اختلافًا واسعًا، ولا يثبت بعضها بإسناد محقق. فهي للاستئناس لا للجزم، ولا يُستنتج منها منصب ولا مكانة للرائي ولا حدث قادم، فمثل هذا الاستنتاج ظن لا دليل عليه.
يتأثر المعنى بسياق الحلم. فإن كان الرائي هادئًا وصوته واضحًا فالصورة أقرب إلى الثقة بالنفس والصفاء. وإن كان صوته ضعيفًا لا يكاد يُسمع فقد تعبّر عن شعور بعدم القدرة على التعبير. وإن كان مضطربًا يخشى أن يخطئ فقد تعبّر عن رهبة من مواقف الحديث أمام الناس. وإن كان الناس من حوله يستمعون بهدوء فقد تعبّر عن رغبة في أن يجد من يصغي إليه. وشعور الرائي هو القرينة الأولى في ذلك.
يختلف المعنى بحال الرائي. فمن كان خجولًا يتردد في الكلام قد يعكس الحلم عنده رغبته في أن يتغلب على خجله. ومن كان معلمًا أو متحدثًا قد تعبّر الصورة عنده عن شأن مهنته. ومن كان يحمل فكرة يريد إيصالها قد يعبّر الحلم عنده عن هذه الرغبة. ومن كان حديث عهد بمسؤولية جديدة قد تعبّر عنده عن مسؤولية التعبير. وكلها قراءات نفسية عامة.
للتفاصيل أثر في القراءة. فمن رأى نفسه يؤذن في مكان مرتفع فالصورة قد تعبّر عن رغبة في الوضوح. ومن رأى نفسه يؤذن في مكان مغلق فقد تعبّر عن أفكار تحتاج إلى باب للخروج. ومن رأى نفسه يؤذن بصوت ليس صوته المعتاد فقد تعبّر عن تجربة جديدة في التعبير. ومن رأى نفسه ينسى كلمات النداء فقد تعبّر عن رهبة من النسيان أو الخطأ. ومن رأى نفسه يؤذن ثم يستيقظ فرحًا فقد تعبّر عن ارتياح للتعبير. وتُقرأ هذه التفاصيل مع بقية الحلم لا منفصلة عنه.
من الجانب النفسي قد يظهر هذا الحلم عند من يحمل في نفسه ما يريد قوله ولم يجد الفرصة، أو عند من يستعد لموقف يتطلب منه الحديث أمام الآخرين. وقد يظهر عند من اعتاد سماع الأذان يوميًا فيتقمص في الحلم دور المنادي. ويمكن للرائي أن يتأمل ما يود التعبير عنه في حياته، وأن يبحث عن طريق هادئ للتعبير عنه. وهذا ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ومن عانى من رهبة شديدة من الكلام أو قلق يثقل حياته فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله أو من يثق بهم.
ومن اللطيف أن يتذكر الرائي أن العقل في الأحلام كثيرًا ما يضع الإنسان في أدوار مختلفة عن واقعه، فيراه معلمًا أو مسافرًا أو منادِيًا. وهذه الأدوار لا تعني بالضرورة شيئًا مرتبطًا بالواقع، بل هي طريقة العقل في ترتيب مشاعر وأفكار. ولذلك يحسن ألا يُثقل الحلم بتأويلات بعيدة. وفي أحيان كثيرة لا يكون وراء الصورة إلا انعكاس لرغبة بسيطة في التعبير أو لمشهد مألوف.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يخبر بغيب ولا يُبنى عليه قرار في الحياة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ويحسن بالرائي أن يحمد الله على ما رأى من صورة هادئة، وأن يدعوه أن يرزقه الإخلاص في القول والعمل. وحسن الظن بالله خير ما يرفع الإنسان به صوته.
