الإنسان في مرحلة الكِبر يحمل في ذاكرته سنوات طويلة من الأصوات والأماكن والوجوه، ويظل الأذان من أقدم الأصوات التي ألفها وأحبها. ولذلك لا يُستغرب أن يعود إلى أحلامه في صور متعددة. والرؤيا لكبير السن لا تُقرأ على أنها إشارة إلى ما سيحدث له، وإنما هي صورة رمزية عامة تحمل معاني الأنس والتذكير والسكينة. وهذا المقال يعرض احتمالات للتأمل، ويُبقي الغيب لله وحده.
الأذان في رمزيته نداء يعلن الوقت ويجمع القلوب على معنى واحد، وهو من أكثر الأصوات حضورًا في وجدان المسلم عبر عمره كله. وقد يُقرأ في منام كبير السن على أنه صدى للذكريات الجميلة مع المسجد والجماعة والبيوت القديمة. وقد يُقرأ كذلك على أنه رمز للثبات والاعتياد والصلة الدائمة بما يحب. ويختلف معناه بحسب صفة الصوت والمكان والشعور المرافق له.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (سورة طه، الآية 14). وفي الآية ما يذكّر بصلة الصلاة بذكر الله، وهي صلة يعرفها المسلم ويعيشها عمرًا طويلًا. وهذا الاستشهاد لبيان مكانة الصلاة والنداء إليها في وجدان المؤمن، لا لتفسير الحلم ولا لتنزيله على حال الرائي. والأذان يستحضر هذا المعنى حين يُسمع في صفاء.
ويذكر بعض المعبّرين في بعض كتب التعبير أن الأذان يُحمل على الدعوة إلى أمر ذي شأن والإعلان به، وذهب آخرون من المعبّرين إلى معنى قريب يدور حول التذكير. وتتفاوت هذه الأقوال في ثبوتها وتفصيلها، ولا يُجزم بها. وليس فيها ما يخص عمرًا محددًا أو حالًا محددة. ولذلك يبقى الأذان رمزًا واسع الدلالة، يُقرأ في ضوء ما يعرفه صاحب الحلم عن نفسه وحاله.
وسياق الحلم يؤثر في معناه، فإن سمع كبير السن الأذان في مسجد حيّه القديم مال المعنى إلى الحنين والذكريات الطيبة، وإن سمعه في بيته مال إلى الأنس والاعتياد. وإن كان الأذان وقت الفجر فهو أقرب إلى معنى الصفاء والهدوء، وإن كان في العصر أو المغرب فهو أقرب إلى معنى السكون والتأمل. وإن اجتمع معه صوت أحد من أهله فقد يعبّر عن أنس بالأسرة. وكل ذلك احتمال رمزي لا إخبار.
وكبير السن قد يمر بمرحلة يقل فيها النشاط الاجتماعي ويكثر فيها التأمل والجلوس في البيت، وقد يشتاق إلى الجماعة والصحبة. فقد يكون الأذان في منامه رمزًا لهذا الشوق، أو لحاجته إلى إيقاع يومي ثابت يؤنسه. وقد يعبّر عن رضا هادئ بما مضى وعن رغبة في استمرار الأنس بما يحب. وليس فيه إشارة إلى شيء مما ينتظره، فذلك علم لا يطلع عليه إلا الله.
ومن التفاصيل التي يُلتفت إليها: هل كان الصوت قريبًا أم بعيدًا، وهل ارتبط بمكان يعرفه، وهل أحس بالراحة عند السماع. وقد يكون الحلم أثرًا لأذان سمعه قبل نومه من مذياع أو جهاز أو مسجد قريب، وهذا شائع جدًا. وقد يكون كذلك صدى لذكريات قديمة عادت في هيئة صوت. ولا يُعطى لكل تفصيل معنى ثابت، فالأهم هو الشعور العام الذي بقي بعد الاستيقاظ.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يفيد كبير السن أن يحافظ على روتين هادئ يضم نومًا منتظمًا وحركة خفيفة مناسبة وجلسات ذكر وكلام طيب مع الأهل والأصدقاء. وقد يفيده كذلك أن يجتمع بمن يحب في أوقات ثابتة. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإن كان القلق أو الأرق أو الوحدة ثقيلة فمن المناسب أن يتحدث مع طبيب أو مختص أو مع أحد أبنائه وأقاربه الموثوقين. والقرب من الأحبة دواء للنفس. وقد يكفي في كثير من الأيام جلوس هادئ مع قريب أو جار طيب، أو استماع إلى صوت مألوف يؤنس القلب، أو نزهة قصيرة في ساعة معتدلة من النهار. وكل ما يزيد الأنس ويخفف الوحشة فهو من أسباب صفاء النفس وهدوء الأحلام. والحلم في ذلك كله صورة لطيفة لا تحمل إلا ما في الداخل من حنين وسكينة.
وقد ورد بمعنى الحديث المتفق عليه أن من رأى رؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب، وأن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره. وفي هذا الأدب ما يحمي من كثرة السؤال عن الأحلام والتأويلات المتباينة. فيأخذ الرائي من الأذان أنسه وحنينه الجميل ويدع ما عدا ذلك. وحسن الظن بالله أصل لكل طمأنينة في كل مرحلة من مراحل العمر.
وفي الختام فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه ويدعوه بالطمأنينة والسكينة وصلاح الحال. وأن يأخذ من الحلم ما يزيده أنسًا وهدوءًا. والله أعلم بالصواب، وإليه الرجاء في كل خير.
