سماع الأذان من مآذن كثيرة في المنام صورة مهيبة هادئة في آن واحد، فهي تجمع أصواتًا متعددة تتجاوب في فضاء واحد. وقد يراها من عاش في مدينة تكثر فيها المساجد، ومن لم يعش فيها. فإذا رآها الإنسان في منامه فقد يتساءل عن دلالتها. والرؤى رموز لا يُقطع بتأويلها، وما يرد هنا قراءات عامة هادئة. وهي لا تتنبأ بشيء يخص الرائي أو مستقبله ولا تعد بنتيجة.
في الرمز تدل المآذن الكثيرة على تعدد المصادر واتساع الدائرة، ويدل الأذان على النداء الذي يجمع الانتباه ويذكّر بالوقت. وحين يجتمعان فالمعنى يميل إلى فكرة التجاوب والاجتماع حول نداء واحد، وإلى معنى الألفة بين أصوات تتعدد وتتفق. وقد تعبّر الصورة عن شعور بالانتماء إلى جماعة، أو عن أنس بالمحيط الذي يعيش فيه الرائي. وقد تعبّر أيضًا عن اتساع في الفكر أو عن حاجة إلى الإصغاء إلى أكثر من رأي بهدوء. وكل ذلك اجتهاد في الدلالة العامة.
قال الله تعالى: ﴿وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ﴾ (سورة آل عمران، الآية 103). وفي الآية ما يذكّر بقيمة الاجتماع والألفة وجمع الكلمة على الخير. ولا تُنزّل الآية على الحلم ولا تُجعل تفسيرًا له، وإنما تُذكر لأن موضوع الاجتماع حول نداء واحد يستدعيها بصورة طبيعية. والربط بينها وبين الأذان ربط عام فقط، لا يُراد به الحديث عن أحد ولا إسقاط معنى على الرائي.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير أن الأذان يدل على الإعلام والنداء، وأن المكان الذي يُسمع فيه يغيّر المعنى. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن سماع الأذان يدل على الدعوة إلى الخير والاجتماع عليه. وتختلف عبارات الكتب في ذلك، ولا يثبت بعضها بإسناد محقق. فهي للاستئناس لا للجزم، ولا ينبغي أن يُربط الحلم بحدث مرتقب أو بتغيير قادم، فمثل هذا الربط ظن لا دليل عليه.
يتأثر المعنى بسياق الأصوات في الحلم. فإن كانت الأصوات متناسقة متعاقبة فالصورة أقرب إلى الانسجام والألفة. وإن كانت متداخلة حتى يصعب تمييزها فقد تعبّر عن تعدد الآراء حول الرائي وحاجته إلى ترتيب أفكاره. وإن كانت تتردد من بعيد فقد تعبّر عن أنس بالمحيط الواسع. وإن كان الرائي يحاول أن يميز صوتًا واحدًا من بين الأصوات فقد تعبّر عن رغبة في الوصول إلى ما يطمئنه. وشعور الرائي هو القرينة الأولى في ذلك.
يختلف المعنى بحال الرائي. فمن يعيش في مدينة قديمة كثيرة المآذن قد يكون الحلم عنده صدى لما اعتاد سماعه كل يوم. ومن كان مسافرًا في بلد جديد قد يعبّر الحلم عنده عن دهشته بما رآه. ومن كان يشعر بأنه وحيد قد تعبّر الصورة عنده عن شوق إلى جماعة يألفها. ومن كان في حيرة بين آراء متعددة قد يظهر الحلم من أثر تلك الحيرة. وكلها قراءات نفسية عامة.
للتفاصيل أثر في القراءة. فمن سمع الأذان من مآذن تحيط به من كل جانب فالصورة قد تعبّر عن اتساع الدائرة حوله. ومن سمعه من مئذنة قريبة ثم من أخرى بعيدة فقد تعبّر عن تتابع يوحي بالنظام. ومن رأى مآذن عالية في ضوء هادئ فقد تعبّر الصورة عن جمال المكان وسكينته. ومن سمع الأصوات تتعالى وتخفت فقد تعبّر عن إيقاع الحياة. ومن سمعها وهو في بيته فقد تعبّر عن صلة بما حوله. وتُقرأ هذه التفاصيل مع بقية الحلم لا منفصلة عنه.
من الجانب النفسي قد يظهر هذا الحلم عند من يقيم قرب أكثر من مسجد فيسمع الأصوات متتابعة، أو عند من زار مدينة تكثر فيها المآذن فبقي مشهدها في ذاكرته. وقد يظهر عند من يشعر بكثرة الأصوات والآراء من حوله ويبحث عن صوت يطمئنه. ويمكن للرائي أن يتأمل مصادر ما يسمعه من آراء في حياته، وأن يختار منها ما يهدئه. وهذا ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ومن عانى من حيرة مستمرة أو قلق يثقل أيامه فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله أو من يثق بهم.
ومن اللطيف أن يتذكر الرائي أن الذاكرة السمعية قوية في النوم، فإذا سمع الإنسان أذانًا يتتابع من مساجد متقاربة بقي هذا النمط الصوتي محفوظًا وظهر في أحلامه. وليس في الصورة أكثر من انعكاس لتجربة جميلة وقعت له في يقظته. ولذلك يحسن ألا يُثقل الحلم بتأويلات بعيدة. وفي أحيان كثيرة لا يكون وراء الصورة إلا ذكرى لصوت جميل مألوف.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يخبر بغيب ولا يُبنى عليه قرار في الحياة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ويحسن بالرائي أن يحمد الله على ما رأى من صورة مهيبة هادئة، وأن يدعوه أن يؤلف بين القلوب على الخير. وحسن الظن بالله خير ما يحمله الإنسان في كل اجتماع.
