رؤية الأذان من التلفاز أو الهاتف في المنام صورة مألوفة جدًّا في هذا العصر، فالأجهزة الحديثة تحمل الأذان إلى البيوت والمكاتب والطرقات. فإذا رآها الإنسان في منامه فقد يتساءل عن دلالتها وعن معنى أن يأتيه النداء من جهاز. والرؤى رموز لا يُقطع بتأويلها، وما يرد هنا قراءات عامة هادئة. وهي لا تتنبأ بشيء يخص الرائي أو مستقبله ولا تعد بنتيجة. وغاية ما فيها قراءة رمزية عامة.
في الرمز يدل التلفاز والهاتف على وسائل الوصول والاتصال وعلى ما يحمله الإنسان معه في يومه، ويدل الأذان على النداء الذي يذكّر بالوقت ويجمع الانتباه. وحين يجتمعان فالمعنى يميل إلى فكرة أن التذكير قد يصل إلى الإنسان من حيث لا يتوقع، وأن النداء المألوف يرافقه حتى في أكثر ساعات اليوم انشغالًا بالشاشات. وقد تعبّر الصورة عن علاقة الرائي بالتقنية وما تحمله له من أنس أو انشغال. وقد تعبّر أيضًا عن رغبة في أن يكون لوقته نظام يذكّره بما هو أهم. وكل ذلك اجتهاد في الدلالة العامة.
ورد في الحديث الصحيح المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن». ويُذكر الحديث هنا من باب الأدب العام في الإصغاء إلى النداء، ولا يُراد به بيان تفصيل في كيفية العمل به، فهذا يُترك لأهل العلم. والربط بينه وبين موضوع الحلم ربط خفيف، هو أن الإصغاء إلى النداء بانتباه معنى جميل يتصل بحضور القلب. ولا تُنزّل هذه الدلالة على الرائي ولا تُجعل رسالة موجهة إليه.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير أن الأذان يدل على الإعلام والنداء، وأن المكان الذي يُسمع فيه يغيّر المعنى. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن سماع الأذان يدل على الدعوة إلى الخير والاجتماع عليه. ولم تعرف عصورهم التلفاز ولا الهاتف، فالقراءة هنا اجتهاد معاصر لا يُنسب إليهم. وتختلف عبارات الكتب في ذلك، ولا ينبغي أن يُربط الحلم بحدث مرتقب، فمثل هذا الربط ظن لا دليل عليه.
يتأثر المعنى بسياق الجهاز في الحلم. فإن كان الأذان يصدر من هاتف الرائي في وقته المعتاد فالصورة أقرب إلى المألوف والانتظام. وإن كان يصدر من تلفاز في غرفة مزدحمة فقد تعبّر عن حضور التذكير وسط الأصوات المتداخلة. وإن كان الجهاز يتعطل أو ينقطع الصوت منه فقد تعبّر عن رغبة في صلة أقرب بالنداء. وإن كان الرائي يمسك الجهاز بيده ويستمع فقد تعبّر عن إصغاء هادئ. وشعور الرائي هو القرينة الأولى في ذلك.
يختلف المعنى بحال الرائي. فمن يستخدم تطبيقًا للتذكير بمواعيد الأذان قد يكون الحلم عنده صدى لعادته اليومية. ومن يقضي ساعات طويلة أمام الشاشات قد يعبّر الحلم عنده عن حاجته إلى فاصل. ومن كان بعيدًا عن بلده قد تعبّر الصورة عنده عن أنسه بنداء يصله عبر الجهاز. ومن كان كبيرًا في السن قد تعبّر الصورة عنده عن علاقته بالتقنية الجديدة. وكلها قراءات نفسية عامة.
للتفاصيل أثر في القراءة. فمن سمع الأذان من تلفاز في بيته فالصورة قد تعبّر عن اجتماع الأسرة حول صوت مألوف. ومن سمعه من هاتفه وهو في عمل فقد تعبّر عن تذكير وسط الانشغال. ومن رأى الأذان مكتوبًا أو مرئيًا على الشاشة فقد تعبّر عن اجتماع النظر والسمع على معنى واحد. ومن سمعه من جهاز في مكان عام فقد تعبّر عن مشاركة الجميع في النداء. ومن سمعه من جهاز صغير بصوت خافت فقد تعبّر عن أنس هادئ. وتُقرأ هذه التفاصيل مع بقية الحلم لا منفصلة عنه.
من الجانب النفسي قد يظهر هذا الحلم عند من يستخدم الهاتف كثيرًا ويعتمد عليه في تنظيم وقته، أو عند من يسمع الأذان من الشاشة يوميًا فتدخل الصورة إلى نومه. وقد يظهر عند من يشعر بأن الأجهزة تأخذ من وقته أكثر مما ينبغي. ويمكن للرائي أن يتأمل علاقته بالأجهزة وهل تمنحه هدوءًا أم انشغالًا، وأن يجعل لنفسه أوقاتًا بعيدة عنها. وهذا ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ومن عانى من قلق مستمر أو إرهاق من الشاشات فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله أو من يثق بهم.
ومن اللطيف أن يتذكر الرائي أن الهاتف أو التلفاز يكون غالبًا آخر ما ينظر إليه الإنسان قبل النوم وأول ما يلتقطه بعد الاستيقاظ، ولذلك يكثر ظهوره في الأحلام. فقد يكون إشعار أو برنامج أو صوت أذان في جهاز قريب هو أصل الصورة. ولذلك يحسن ألا يُثقل الحلم بتأويلات بعيدة. وفي أحيان كثيرة لا يكون وراء الصورة إلا انعكاس لعادات اليوم المألوفة.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يخبر بغيب ولا يُبنى عليه قرار في الحياة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ويحسن بالرائي أن يحمد الله على ما رأى من صورة مألوفة، وأن يدعوه أن يبارك له في وقته. وحسن الظن بالله خير ما يرافق الإنسان بين الأجهزة وبين الناس.
