الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا من الله والحلم من الشيطان، هكذا ورد في الأحاديث المتفق عليها. ولهذا فإن الأحلام ميدان تتداخل فيه الرموز مع ما تحمله النفس من خواطر النهار. ومشهد الاستعداد بعد سماع الأذان، كأن يقوم الرائي ويرتب نفسه ويجهز ثيابه ويهيئ مكانه، مشهد مألوف في حياة كثيرين. وهو يحمل معنى الاستجابة الهادئة لنداء الوقت. وما يلي قراءة رمزية عامة لا تقطع بشيء.
يرمز الأذان في الرمزية العامة إلى النداء والإعلان والدعوة وحضور الوقت. وحين يعقبه استعداد فإن الصورة تنتقل من السماع إلى التهيؤ، أي من الفكرة إلى الخطوة الأولى. والتهيؤ في الرمز يعبّر عن الجاهزية النفسية والرغبة في الانتظام. وقد يدل في بعض القراءات على رغبة الرائي في أن يكون حاضرًا ومرتبًا في أمر يهمه. ولا يعني هذا ارتباط الحلم بحدث محدد في الحياة.
ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أن الطهور شطر الإيمان. وفي هذا ما يذكّر بقيمة التهيؤ والنظافة في الثقافة الإسلامية، وبأن الاستعداد خطوة لها قدرها قبل أي عمل. ويُورد النص هنا لتقريب المعنى العام لصورة الاستعداد، ولا يُراد به بيان تفاصيل أي عبادة أو شروطها، فذلك مما يُترك لأهل العلم. ولا يُجعل الحديث تفسيرًا للحلم المحدد، فهو أصل لمعنى التهيؤ وحسب. وتبقى الرؤيا رمزًا تتسع له أكثر من قراءة.
وردت في كتب التعبير المتداولة إشارات إلى أن الاستعداد في الرؤيا يدل عمومًا على الاهتمام بالأمر والعناية به، وهذا يُنقل بصيغ متعددة ولا يمكن الجزم بنصه. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن ترتيب الشخص لنفسه في المنام يشير إلى حسن التدبير. والاختلاف في ضبط هذه الأقوال وارد، فلا يُبنى عليها اعتقاد. والأولى أن تُعد من باب الاستئناس بما ألفه المعبّرون من ربط الصورة بالمعنى.
إن كان الرائي يستعد بعد الأذان بهدوء وطمأنينة فالمشهد قريب من معاني الانتظام والاتزان. وإن كان يستعد على عجل ويشعر أنه متأخر فقد يرمز ذلك إلى ضغط الوقت والرغبة في اللحاق بمواعيده. وإن كان المكان مرتبًا ومضاءً فالصورة أقرب إلى الوضوح الداخلي. وإن وجد صعوبة في العثور على ثيابه أو حاجاته فقد يرمز ذلك إلى تشتت مؤقت في الأفكار. وكلها قراءات احتمالية.
الطالب قد يعبّر الحلم عنده عن اعتياده على مواعيد الدراسة، والموظف عن ضغط الجدول اليومي. وربة البيت قد ترى فيه ترتيبًا لمهام اليوم، والمتقاعد قد يراه صدى للانتظام القديم. ومن اعتاد الاستعداد للأذان في حياته اليقظة فالحلم عنده انعكاس طبيعي لعادة، ومن لم يعتد فقد يكون الحلم تعبيرًا عن رغبة في تنظيم أفضل. ولا فارق بين هؤلاء في صدق الشعور.
وتفصيل الثياب في الحلم قد يرمز إلى الهيئة والمظهر أمام الآخرين، وتفصيل الماء قد يرمز إلى الصفاء والتجدد، وتفصيل الطريق قد يرمز إلى الاتجاه. وسرعة الحركة تعبّر عن الإيقاع الداخلي، فالبطء قد يدل على هدوء والسرعة على استعجال. ووجود الأهل أو الأصدقاء أثناء الاستعداد يضيف معنى المشاركة. أما الشعور بالراحة أو التوتر فهو ما يرجّح الكفة في القراءة.
ومن الزاوية النفسية قد يكون الحلم انعكاسًا لرغبة في تنظيم الوقت أو في الانتقال من حالة الفوضى إلى حالة الترتيب. وكثيرًا ما تظهر في الأحلام مشاهد الاستعداد حين يحمل الشخص التزامات متراكمة. وقد يفيد الرائي أن يكتب قائمة صغيرة بما يريد ترتيبه في يومه. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، فالحلم صورة وليس تشخيصًا. وإن استمر القلق أو عطّل شؤون الحياة فالحديث مع مختص أو أحد الأهل أمر حسن.
وقد يرى بعضهم المشهد متكررًا في ليالٍ متقاربة، وهذا لا يزيد المعنى ثقلًا ولا يغيّره. فالتكرار في الأحلام يعكس غالبًا أن الفكرة حاضرة في الذهن، فتعود بصور شبيهة. ولا يُحمل التكرار على تهديد أو بشارة. وإن أحب الرائي أن يتأمل مشهده فليتأمله بهدوء ثم يمضي في يومه. فالحياة اليقظة هي ميدان العمل والاستعداد الحقيقي.
وخلاصة القول إن الاستعداد بعد سماع الأذان في المنام يُقرأ رمزيًا على أنه تهيؤ وانتظام واستجابة هادئة لنداء الوقت، ويتلوّن بحسب الرائي وتفاصيل المشهد. وهذا اجتهاد بشري ظني لا يُقطع به. والغيب لا يعلمه إلا الله. فليحسن الرائي ظنه بالله، وليدعُه بالتوفيق وصلاح الحال. ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا، ومن رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب.
