سماع الأذان وسط الزحام في المنام صورة تجمع بين صوت واحد مألوف وأصوات كثيرة متداخلة، وهي مشهد يعرفه من يعيش في المدن الكبيرة والأسواق المزدحمة. فإذا رآها الإنسان في منامه فقد يتساءل عن دلالتها وعن معنى أن يعلو النداء بين الضجيج. والرؤى رموز لا يُقطع بتأويلها، وما يرد هنا قراءات عامة هادئة. وهي لا تتنبأ بشيء يخص الرائي أو مستقبله ولا تعد بنتيجة.
في الرمز يدل الزحام على الانشغال وكثرة المطالب وتداخل الأصوات، ويدل الأذان على النداء الذي يشق طريقه إلى الانتباه ويذكّر بالوقت. وحين يجتمعان فالمعنى يميل إلى فكرة أن في وسط الانشغال صوتًا هادئًا يمكن للإنسان أن يلتفت إليه إذا أراد. وقد تعبّر الصورة عن حاجة إلى وقفة تفصل بين ضجيج الحياة وسكينة النفس. وقد تعبّر أيضًا عن شعور بأن الأصوات الكثيرة تغطي ما هو أهم. وكل ذلك اجتهاد في الدلالة العامة.
ورد في الحديث الصحيح المتفق عليه بمعناه أن من رأى رؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب. وفي هذا أدب لطيف يناسب كثرة الناس وتباين آرائهم، فليس كل من يسمع الحلم يحسن الظن به أو تفسيره. ويُذكر الحديث هنا بوصفه أدبًا عامًا في التعامل مع الأحلام، ولا يُراد به أن في الحلم رسالة تخص الرائي. والربط بينه وبين موضوع الزحام ربط خفيف يتصل بحسن اختيار من يُحدَّث بالأحلام.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير أن الأذان يدل على الإعلام والنداء، وأن المكان الذي يُسمع فيه يغيّر المعنى. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن سماع الأذان يدل على الدعوة إلى الخير والاجتماع عليه. وتتفاوت عبارات الكتب في ذلك، ولا يثبت بعضها بإسناد محقق. فهي للاستئناس لا للجزم، ولا ينبغي أن يُربط الحلم بحدث مرتقب أو بتغيير قادم، فمثل هذا الربط ظن لا دليل عليه.
يتأثر المعنى بسياق الزحام في الحلم. فإن كان الزحام هادئًا والأذان يُسمع بوضوح فالصورة أقرب إلى الانسجام مع المحيط. وإن كان الضجيج شديدًا والأذان بالكاد يُسمع فقد تعبّر عن شعور بأن ما هو مهم يضيع وسط الانشغال. وإن كان الرائي يحاول الوصول إلى مصدر الصوت فقد تعبّر عن شوق إلى السكينة. وإن كان الناس من حوله يمضون في شأنهم فقد تعبّر عن معنى الانشغال العام. وشعور الرائي هو القرينة الأولى في ذلك.
يختلف المعنى بحال الرائي. فمن يعيش في مدينة مزدحمة قد يكون الحلم عنده صدى لما يسمعه كل يوم من أصوات الشوارع والأسواق. ومن كان يتحمل مسؤوليات كثيرة قد يعبّر الحلم عنده عن ازدحام مهامه. ومن كان يحب الهدوء قد تعبّر الصورة عنده عن اشتياقه إليه. ومن كان في حدث اجتماعي كبير قد يظهر الحلم من أثر ذلك الاجتماع. وكلها قراءات نفسية عامة.
للتفاصيل أثر في القراءة. فمن رأى نفسه في سوق والأذان يعلو فوق الأصوات فالصورة قد تعبّر عن الحاجة إلى التذكير وسط الانشغال. ومن رأى نفسه في وسيلة نقل مزدحمة فقد تعبّر عن ضغط الوقت. ومن رأى الناس يتوقفون برهة مع النداء فالأولى أن تُقرأ بوصفها صورة للانتباه المشترك. ومن رأى نفسه وحيدًا وسط الزحام فقد تعبّر عن شعور بالعزلة بين الجموع. وتُقرأ هذه التفاصيل مع بقية الحلم لا منفصلة عنه.
من الجانب النفسي قد يظهر هذا الحلم عند من يقضي أوقاتًا طويلة في أماكن مزدحمة، أو عند من سمع الأذان في ضجيج المدينة فبقي صداه في ذاكرته. وقد يظهر عند من يشعر بتشتت وكثرة طلبات من حوله. ويمكن للرائي أن يتأمل أين يجد هدوءه في يومه، وأن يخصص وقتًا قصيرًا بعيدًا عن الضجيج. وهذا ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ومن عانى من توتر مستمر في الأماكن المزدحمة أو من قلق يثقل حياته فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله أو من يثق بهم.
ومن اللطيف أن يتذكر الرائي أن العقل أثناء النوم يخلط بين ما سمعه في النهار من أصوات متعددة، فيخرج منها مشهدًا واحدًا غير مرتب. فقد يكون صوت الأذان الذي علا فوق ضجيج السوق أمس هو ما بقي في الذاكرة وظهر في الحلم. ولذلك يحسن ألا يُثقل الحلم بتأويلات بعيدة. وفي أحيان كثيرة لا يكون وراء الصورة إلا انعكاس بسيط لحياة مزدحمة بالأصوات.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يخبر بغيب ولا يُبنى عليه قرار في الحياة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ويحسن بالرائي أن يحمد الله على ما رأى من صورة مألوفة، وأن يدعوه أن يرزقه سكينة وسط انشغاله. وحسن الظن بالله خير ما يحمله الإنسان إلى الزحام.
