سماع الأذان في الصباح في المنام صورة مألوفة لكثير من الناس، لأن الصباح بداية اليوم ونشاطه، والأذان نداء يرتبط في الذهن بالاستيقاظ والاستعداد. فإذا اجتمعا في حلم واحد فقد يتساءل الرائي عن دلالة ذلك. والرؤى رموز لا يُقطع بتأويلها، وما يرد هنا قراءات عامة هادئة. وهي لا تتنبأ بشيء يخص يوم الرائي أو ما سيأتي فيه ولا تعد بنتيجة.
في الرمز يدل الصباح على البداية الجديدة والنشاط وانكشاف ما كان خفيًا، ويدل الأذان على النداء الذي ينبّه الغافل ويجمع الانتباه. وحين يجتمعان فالمعنى يميل إلى فكرة الاستعداد والتهيؤ لمرحلة جديدة بهدوء، وإلى شعور بالنشاط ينبعث من داخل النفس. وقد تعبّر الصورة عن رغبة في ترتيب اليوم من أوله، أو عن شوق إلى بداية أصفى مما سبق. وقد تعبّر أيضًا عن انشغال بما ينتظر الرائي من مسؤوليات. وكل ذلك اجتهاد في الدلالة العامة.
قال الله تعالى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ (سورة الضحى، الآية 1). والآية من آيات القسم بوقت من أوقات النهار حين يشتد ضوؤه، وفيها ما يلفت النظر إلى جمال النهار وبهائه. ولا تُنزّل الآية على الحلم ولا تُجعل تفسيرًا له، وإنما تُذكر لأن موضوع الصباح وضوء النهار يستدعيها بصورة طبيعية. وفي هذا ما يذكّر بقيمة البداية الهادئة وما يحمله الضوء من معاني الوضوح.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير أن الأذان يدل على الإعلام والنداء، وأن وقت سماعه يؤثر في المعنى. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن سماع الأذان يدل على الدعوة إلى الخير والاجتماع عليه. وتختلف عبارات الكتب في ذلك، ولا يثبت بعضها بإسناد محقق. فهي للاستئناس لا للجزم، ولا ينبغي أن يُربط الحلم بحدث في يومه أو بتحول مرتقب، فمثل هذا الربط ظن لا دليل عليه.
يتأثر المعنى بسياق الصباح في الحلم. فإن كان الجو صافيًا والأذان يرتفع في هدوء فالصورة أقرب إلى النشاط والانشراح. وإن كان الرائي متثاقلًا لا يريد القيام فقد تعبّر الصورة عن صراع بين الراحة والمسؤولية. وإن كان الصباح مزدحمًا بالأصوات والأذان يعلو بينها فقد تعبّر عن حاجة إلى وقفة تهدئ الإيقاع. وإن كان الرائي ما زال في فراشه فقد تعبّر عن ترددٍ في مواجهة يوم جديد. وشعور الرائي هو القرينة الأولى في ذلك.
يختلف المعنى بحال الرائي. فالموظف قد يعكس الحلم عنده استعداده لعمله، والطالب قد يعكس عنده انشغاله بدراسته، وربة البيت قد يعكس عندها ترتيب شؤون يومها. ومن كان يستيقظ مبكرًا قد يكون الحلم صدى لعادته اليومية. ومن كان يعاني من صعوبة في الاستيقاظ قد يعبّر الحلم عنده عن رغبته في بداية أيسر. وكلها قراءات نفسية عامة.
للتفاصيل أثر في القراءة. فمن سمع الأذان والشمس لم تطلع بعد فالصورة قد تعبّر عن بداية هادئة قبل الانشغال. ومن سمعه وضوء النهار منتشر فقد تعبّر عن تأخر أو عن حاجة إلى تدارك. ومن سمعه من نافذة غرفته فقد تعبّر عن صلة بما حوله مع بقاء الهدوء. ومن سمعه مع صياح الطيور وأصوات الصباح فقد تعبّر عن انسجام مع إيقاع الحياة. وتُقرأ هذه التفاصيل مع بقية الحلم لا منفصلة عنه.
من الجانب النفسي قد يظهر هذا الحلم عند من يستيقظ على صوت أذان حقيقي قريب فيدخل الصوت في الحلم قبل أن يستيقظ. وقد يظهر عند من يستعد لمهمة تحتاج إلى بكور، أو عند من يشغله ترتيب وقته. ويمكن للرائي أن يتأمل بداية يومه وما يمنحه من هدوء قبل الانشغال، وأن يجعل لها وقتًا صغيرًا. وهذا ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ومن عانى من إرهاق مستمر أو قلق يرافقه كل صباح فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله أو من يثق بهم.
ومن اللطيف أن يتذكر الرائي أن آخر مراحل النوم هي أكثرها حضورًا للأحلام وأقربها إلى الاستيقاظ، ولذلك تتسرب الأصوات الحقيقية إلى الحلم بسهولة. فقد يكون صوت أذان حقيقي أو منبه أو حركة في البيت هو أصل الصورة. ولذلك يحسن ألا يُثقل الحلم بتأويلات بعيدة. وفي أحيان كثيرة لا يكون وراء الصورة إلا انعكاس بسيط لما يحيط بالنائم قبيل استيقاظه. ويبقى المعنى في كل ذلك مرهونًا بما يلابس الرؤيا من تفاصيل، وبما يعرفه الرائي من حال نفسه وأيامه.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يخبر بغيب ولا يُبنى عليه قرار في الحياة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ويحسن بالرائي أن يحمد الله على ما رأى من صورة هادئة، وأن يدعوه أن يبارك له في يومه وأوقاته. وحسن الظن بالله خير ما يبدأ به الإنسان صباحه.
