سماع الأذان في السفر في المنام صورة يراها من يكثر التنقل ومن لا يسافر على السواء، لأن السفر يجعل الإنسان أكثر انتباهًا للأصوات المألوفة في أماكن غير مألوفة. فإذا سمع الرائي نداء الأذان وهو في طريقه إلى مكان بعيد فقد يتساءل عن دلالة ذلك. والرؤى رموز لا يُقطع بتأويلها، وما يرد هنا قراءات عامة هادئة. وهي لا تتنبأ بسفر ولا بنتيجة له ولا بشيء يخص ما سيأتي.
في الرمز يدل السفر على الانتقال من حال إلى حال، وعلى مفارقة المألوف والتهيؤ لما هو جديد، ويدل الأذان على النداء الذي يذكّر بالوقت ويجمع الانتباه. وحين يجتمعان في صورة واحدة فالمعنى يميل إلى فكرة الثبات على ما يطمئن القلب وسط التنقل، وإلى أن النداء المألوف يرافق الإنسان أينما كان. وقد تعبّر الصورة عن شعور بالأنس في مكان بعيد، أو عن حنين إلى الوطن والبيت. وقد تعبّر أيضًا عن حاجة إلى نقطة ثابتة وسط زحمة التغيير. وكل ذلك اجتهاد في الدلالة العامة.
وللسفر في المنام طابع خاص، فالمسافر ينتبه إلى الأصوات المألوفة أكثر مما ينتبه إليها في بيته، ويبدو صوت النداء في الطريق كأنه علامة أنس تصله بما اعتاده من أيامه. وقد تعبّر هذه الصورة رمزيًا عن حنين إلى الاستقرار أو عن حاجة إلى الطمأنينة في مرحلة تتغير فيها الأحوال. وهذه قراءة عامة لا تُنزَّل على الرائي ولا يُبنى عليها حكم في سفره أو إقامته، وتبقى صورة ذهنية يُستأنس بها بقدر ما تحتمل.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير أن الأذان يدل على الإعلام والنداء، وأن المكان الذي يُسمع فيه يغيّر المعنى. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن سماع الأذان يدل على الدعوة إلى الخير والاجتماع عليه. وتختلف عبارات الكتب في ذلك اختلافًا واسعًا، ولا يثبت بعضها بإسناد محقق. فهي للاستئناس لا للجزم، ولا ينبغي أن تُربط بسفر قادم أو برحلة مرتقبة، فمثل هذا الربط ظن لا دليل عليه.
يتأثر المعنى بسياق السفر في الحلم. فإن كان الرائي في طريق هادئ والأذان يرتفع من بعيد بلا قلق فالصورة أقرب إلى الأنس والطمأنينة. وإن كان في زحمة محطة أو مطار والأذان يمر بين الأصوات فقد تعبّر عن رغبة في وقفة قصيرة وسط الانشغال. وإن كان تائهًا لا يعرف وجهته فقد تعبّر عن حاجة إلى ترتيب الخطوات أو إلى من يرشده. وإن كان مع رفقة فقد تعبّر عن معنى الصحبة في الطريق. وشعور الرائي هو القرينة الأولى في ذلك.
يختلف المعنى بحال الرائي. فمن يسافر كثيرًا بسبب عمله قد يكون الحلم عنده صدى لعادته اليومية وتنقله بين أماكن لا يستقر فيها. ومن كان مغتربًا فقد يعكس الحلم شوقه إلى صوت مألوف من بلده. ومن كان مقيمًا لا يسافر فقد يعبّر الحلم عنده عن رغبة في التغيير أو عن تأمل في حياته. ومن كان يستعد لرحلة فقد يظهر الحلم من انشغال باله بها. وكلها قراءات نفسية عامة.
للتفاصيل أثر في القراءة. فمن سمع الأذان وهو راكب في وسيلة نقل فالصورة قد تعبّر عن انتقال يرافقه نداء مألوف. ومن سمعه وهو واقف عند باب رحلة فقد تعبّر عن ترقب وتأهب. ومن سمعه في بلد لا يعرفه فقد تدل على أنس بصوت وسط الغربة. ومن سمعه وهو يحمل حقيبته فقد تعبّر الصورة عن حمل الإنسان همومه معه أينما ذهب. ومن سمعه بعد وصوله فقد تعبّر عن استقرار بعد تنقل. وتُقرأ هذه التفاصيل مع بقية الحلم لا منفصلة عنه.
من الجانب النفسي قد يظهر هذا الحلم عند من سيسافر قريبًا أو عاد من سفر، أو عند من يسمع الأذان في الطريق فيتسلل الصوت إلى مشاهد النوم. وقد يظهر عند من يشعر بأنه في مرحلة انتقالية من حياته حتى لو لم يسافر فعلًا، كتغيير عمل أو مكان سكن. ويمكن للرائي أن يتأمل ما الذي يمنحه شعور الثبات وسط التغيير وأن يحافظ عليه. وهذا ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ومن عانى من قلق مستمر مرتبط بالتنقل أو الغربة فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله أو من يثق بهم.
ومن اللطيف أن يتذكر الرائي أن الأحلام في السفر كثيرًا ما تتأثر بتعب الطريق وتغير مواعيد النوم وتبدل الأصوات المحيطة. فالعقل يلتقط ما سمعه في الرحلة من أصوات محطات ومساجد ونداءات ويعيد تركيبها في صور متداخلة. ولذلك يحسن ألا يُثقل الحلم بتأويلات بعيدة. وفي أحيان كثيرة لا يكون وراء الصورة إلا صدى لحياة متنقلة وانتباه إلى صوت مألوف.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يخبر بغيب ولا يُبنى عليه قرار في السفر أو غيره. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ويحسن بالرائي أن يحمد الله على ما رأى من صورة مألوفة هادئة، وأن يدعوه أن يحفظه في ترحاله وإقامته. وحسن الظن بالله خير زاد يحمله الإنسان في كل طريق.
