أذان العشاء في المنام يأتي مع دخول الليل واكتمال الظلمة، وهو وقت يميل فيه الناس إلى الهدوء والاجتماع في البيوت والاستعداد للنوم. وقد يستيقظ الرائي من هذه الرؤيا وفي نفسه شعور بالسكينة أو بالتأمل. وكما هو معلوم فالأحلام رموز تحتمل أكثر من وجه ولا تقطع بأمر. وما يرد هنا قراءات عامة لا تخبر عن غيب ولا ترتبط بحدث.
يرمز الليل في الدلالة الرمزية العامة إلى السكون والستر والراحة والتأمل الداخلي، كما قد يرمز إلى ما يخفى من الأفكار والمشاعر. وحين يرتفع الأذان في أول الليل فالصورة تجمع بين النداء وبين وقت التهدئة، فتوحي بأن اليوم يُختم بصوت مألوف يُشعر بالأمان. ويرتبط العشاء كذلك بالجلوس بعد انقضاء الأعمال وتبادل الحديث الهادئ. وقد يعبّر الحلم عن حاجة إلى ختام لطيف لمرحلة أو إلى أنس بأهل البيت. وكل ذلك قراءة عامة وليست جزمًا.
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاسًا﴾ (سورة النبأ، الآية 10). والآية تصف الليل بأنه كاللباس الذي يستر ويغطي، وفي هذا إشارة إلى ما في الليل من سكون وستر. وفي هذا ما يذكّر بقيمة الراحة بعد جهد النهار وبنعمة الهدوء. وليست الآية تفسيرًا لحلم أحد ولا تُنزَّل على رؤيا محددة. وإنما تُذكر لتقريب معنى الليل وما يحمله من سكينة في الوعي الإنساني.
ذكر بعض المعبّرين في أبواب التعبير أن الأذان يدل على الإعلام والنداء الذي يسمعه الناس، وأن الإنصات إليه يدل على الانتباه. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن الأذان يرتبط بالدعوة إلى الخير والاجتماع. وأما أذان العشاء بخصوصه فلا يظهر فيما يتداول عنهما كلام مفصل ثابت، ولذلك يبقى ربطه بالليل قراءة اجتهادية. فلا ينبغي الاعتماد على هذه الأقوال اعتمادًا قاطعًا، وهي موضع استئناس لا أكثر.
يتأثر المعنى بحال الليل في الحلم. فإن كان القمر مضيئًا والجو لطيفًا والأذان رقيقًا فالصورة أقرب إلى الطمأنينة والأنس. وإن كان الظلام كثيفًا والصوت متقطعًا وسط سكون ثقيل فقد تعبّر عن أفكار كثيرة تدور في الذهن قبل النوم. وإن اقترن الأذان بتعب شديد أو رغبة في الاستلقاء فقد يكون الحلم انعكاسًا لإرهاق حقيقي. والرائي أعرف بحاله وشعوره، وهو أقوى قرينة.
يختلف الفهم بحسب الرائي. فمن كان في آخر يوم عمل شاق قد يعكس الحلم رغبته في الراحة، ومن كان وحيدًا في بيته قد يعكس شعوره بحاجة إلى صوت مألوف يؤنسه. والأب أو الأم قد تعكس الصورة عندهما اجتماع الأبناء قبل النوم. ومن كان مقبلًا على أمر يشغله قد يعبّر الحلم عن تأملاته الليلية. وكل هذه احتمالات نفسية عامة.
للتفاصيل أثر في المعنى. فمن سمع الأذان وهو في بيته مع أهله فالصورة أقرب إلى الأنس والاجتماع. ومن سمعه وهو في الطريق ليلًا فقد تشير إلى حاجة إلى الأمان. ومن سمعه وهو مستلقٍ على فراشه فقد تحمل معنى التهدئة قبل النوم. ومن سمعه من بعيد في سكون كامل فقد تعبّر عن تأمل عميق.
من الناحية النفسية قد يظهر هذا الحلم عند من يعاني من سهر طويل أو تفكير كثير قبل النوم، فيعيد العقل صوتًا مألوفًا يرتبط بالختام. وقد يظهر عند من ينتظر وقتًا هادئًا ليخلو بنفسه. ويمكن للرائي أن يتأمل عاداته الليلية وما يمكن أن يخفف عنه قبل النوم. وهذا ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ومن عانى من أرق طويل أو قلق ليلي مستمر فعليه أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله.
ولا يحسن أن يتحول الأمر إلى بحث مرهق عن دلالات خفية، فالأحلام الليلية كثيرًا ما تتأثر بما يسمعه الإنسان ويفكر فيه قبيل نومه. ومن شعر بأن الحلم بعث فيه هدوءًا فليكتف بذلك وليحمد الله عليه. ومن شعر فيه بقلق فلا يحدث به أحدًا بل يتركه ولا يهوّل أمره. وفي هذا حفظ للقلب من التعلق بالوساوس. وتتميز أحلام أول الليل بأنها قريبة من أحداث اليوم الذي انقضى، فيمتزج فيها المسموع بالمرئي بالمشاعر المتبقية بلا ترتيب واضح، ومن ثمّ يحسن النظر إليها على أنها صدى لما مضى قبل أن تُحمَّل دلالات بعيدة. وإذا أحس الرائي بالراحة بعد الحلم فتلك علامة كافية على لطف الصورة، وإن ذكّره الأذان بشيء يريد ترتيبه في يومه التالي فيكفيه أن يرتبه بهدوء ودون استعجال أو قلق.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يخبر بغيب. والغيب لا يعلمه إلا الله. ويحسن بالرائي أن يحمد الله على نعمة السكينة، وأن يدعوه أن يجعل لياليه خيرًا وراحة. وحسن الظن بالله عنوان القلب المطمئن.
