جاء في الأحاديث المتفق عليها أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وأن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان. فكل منام يحتمل أن يكون صورة رمزية أو خاطرة نفس، ولا يقطع الإنسان بأحدهما. وحلم تكرار الأذان مشهد يسمع فيه الرائي النداء مرة بعد مرة، أو يعود إليه في أكثر من ليلة. وهذه الصورة توحي بالإلحاح والتذكير وبعودة فكرة إلى الذهن. وما يلي قراءة رمزية عامة تحتمل وجوهًا متعددة.
الأذان في الرمزية العامة نداء ودعوة وانتباه إلى الوقت، والتكرار في لغة الرموز يضيف إليه معنى التأكيد والإلحاح اللطيف. فكأن الصورة تقول إن في النفس فكرة تعود كلما سكنت، أو مسألة تطرق باب الانتباه بلا ملل. وقد يرمز التكرار أيضًا إلى الأنس بصوت مألوف يحب الرائي أن يسمعه مرارًا. وقد يكون مجرد صدى لسماع الأذان مرات في اليوم، فتعيده الذاكرة في النوم. والمعنى لا يُجزم به، بل يتحدد بما يصاحبه من شعور.
قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الذاريات، الآية 55). وفي الآية ما يذكّر بقيمة التذكير المتكرر في الوعي الإسلامي، وهو معنى قريب من صورة النداء الذي يعود. ويُذكر النص هنا لتقريب فكرة أن العودة إلى التذكير ليست عيبًا بل سمة من سمات الإنسان. ولا يُنزَّل على المنام المحدد كأنه تفسيره. وهو أصل للمعنى العام فحسب.
ذُكر في كتب التعبير المتداولة أن النداء في الرؤيا يدل عمومًا على الإعلام والدعوة، وأن تكراره يُحمل على قوة المعنى أو إلحاحه بحسب حال الرائي. وذكر آخرون من المعبّرين أن ما يتكرر من الأصوات في المنام يُفسَّر بحسب أثره في النفس. ولا يمكن الجزم بألفاظ هذه الأقوال، فالنسخ مختلفة والتفريعات متباعدة. ولذلك يُكتفى بالاستئناس بها. ومن الإنصاف أن يُقال إن المعبّرين لم يتفقوا على تفصيل واحد.
وللسياق أثر في الصورة. فإن كان تكرار الأذان هادئًا مطمئنًا فالمشهد أقرب إلى الأنس والتذكير الجميل. وإن كان متتابعًا بشكل مرهق أو مرتفع الصوت فقد يرمز إلى فكرة ملحّة لا تفارق الذهن. وإن تكرر بصوت مختلف في كل مرة فقد يدل على تنوع المصادر التي تذكّر الرائي. وإن عاد المشهد في ليالٍ متتالية فقد يعكس انشغالًا ثابتًا بأمر ما. وكلها احتمالات لا يُقطع بها.
والرائي يغيّر الدلالة. فمن يسمع الأذان بكثرة في بيئته فالحلم عنده امتداد طبيعي للسمع، ومن كان بعيدًا عنه فقد يعبّر الحلم عن حنين إلى الصوت. والمنشغل بموضوع مهم قد يرى التكرار تعبيرًا عن إلحاح الموضوع. والطالب قد يراه صورة لتكرار المراجعة والمواعيد. ومن كان يمر بفترة هدوء قد يراه مجرد أنس. ولا يُفرض معنى على من لا يجده في نفسه.
وتفاصيل الحلم تُعطي المعنى ألوانه. فإن كان المؤذن نفسه يكرر النداء فقد يُقرأ ذلك على أنه إصرار مصدر واحد، وإن تعددت الأصوات فقد يُقرأ على أنه إجماع الأصوات المحيطة. والمكان والوقت يضيفان سياقًا، فالتكرار في الفجر غير التكرار في المساء في إيحائه. والشعور بالراحة أو الضيق هو الذي يرجّح القراءة. وإن غاب الشعور فالأولى ألا يُبالغ الرائي في التأويل.
ومن الجانب النفسي قد يكون الحلم انعكاسًا لفكرة تدور في العقل ولم تُحسم، فيمثلها اللاوعي بصوت مألوف يعود. وكثيرًا ما تعيد الأحلام ما لم يُنهِه الإنسان في يقظته. ويفيد الرائي أن يسأل نفسه عن الأمر الذي يتكرر في باله، وأن يخصص له وقتًا هادئًا للتفكير. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، فالحلم صورة لا تشخيص. وإن استمر التكرار والقلق فالحديث مع مختص أو أحد الأهل أمر طيب.
وقد يشعر بعض الرائين أن الأذان المتكرر رسالة موجهة إليهم، وهذا شعور مفهوم لكنه لا يصلح أساسًا لتفسير جازم. فالأحلام تعيد الأصوات التي يألفها الإنسان لأنها سهلة التمثيل. ولا يحسن أن يتحول المشهد إلى مصدر قلق أو انتظار لشيء. والأقرب أن يُعد تذكيرًا لطيفًا بالانتباه إلى الوقت والهدوء. وبذلك يخرج الرائي منه بخفة لا بثقل.
وخلاصة القول إن تكرار الأذان في الرؤيا يُقرأ رمزيًا على أنه إلحاح وتذكير وأنس بصوت مألوف، وتختلف دلالته باختلاف الرائي وحاله. وهذا اجتهاد بشري ظني لا يُجزم به ولا يُبنى عليه قرار. والغيب لا يعلمه إلا الله. فليحسن الرائي ظنه بربه، وليدعُه بالسكينة وراحة البال. ومن رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره.
