حين يثقل الحزن على القلب أو تتراكم الهموم تتشكل الأحلام من هذا الثقل ومن الأمل الذي يقاومه. ومن الصور المألوفة المطمئنة التي قد تمر على الحالم صورة الأذان وصوته. والرؤيا هنا لا تُقرأ على أنها خبر عن انفراج أو ضيق ولا وعد بشيء، فهي صورة رمزية عامة. وهذا المقال يعرض معاني محتملة بلغة رفيقة، وكل ما فيه تأمل لا جزم، والغيب عند الله وحده.
الأذان نداء يعلن الوقت ويجمع الانتباه ويوقظ القلب، ورمزيته تدور حول السكينة والتذكير والانتظام والأنس بصوت مألوف. وقد يأتي في منام المهموم رمزًا لحاجة النفس إلى ما يهدئ ويعيد الاتزان. وقد يُقرأ كذلك على أنه صورة للثبات وسط تقلب المشاعر، فالأذان يبقى يتردد في أوقاته مهما اضطربت الأيام. ويختلف معناه بحسب صفة الصوت والمكان والشعور الذي رافقه.
وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد، الآية 28). وفي الآية ما يذكّر بصلة الطمأنينة بذكر الله. والإنسان في أوقات الهم والحزن يحتاج إلى حسن الظن بالله وإلى شيء من الأمل في قلبه. وهذا الاستحضار عام لمعنى الآية، ولا يُنزَّل على الحلم ولا يُجعل بشارة بشيء محدد.
ويذكر بعض المعبّرين في بعض كتب التعبير أن الأذان يُحمل على النداء إلى أمر ذي شأن أو الإعلام به، وذهب آخرون من المعبّرين إلى معنى يقارب ذلك. وتختلف الروايات في ثبوتها وفي تفاصيلها، فلا يُجزم بقول منها. ولا ينبغي أن يتحول التعبير إلى سبب لمزيد من التفكير والقلق. فالمقصود من قراءة الحلم أن تُهدّأ النفس لا أن تُثقل بالتأويلات المتشعبة. ومن أحسن ما يُفعل بعد حلم كهذا أن يجلس الرائي جلسة هادئة يذكر الله فيها، ويشكره على ما بقي له من نعم صغيرة، ثم يعود إلى يومه بشيء من الخفة والصبر.
يتغير معنى الحلم بسياقه، فإن سُمع الأذان وسط ظلمة هادئة دل رمزيًا على حاجة إلى نور داخلي وسكينة، وإن سُمع وسط ضوء الصباح دل على معنى البدء والأمل. وإن سُمع من مكان بعيد فقد يرمز إلى أن ما يبعث على الطمأنينة قريب وإن بدا بعيدًا. وإن جاء مع بكاء أو دموع في الحلم فقد يكون تعبيرًا عن تفريغ ما في الصدر. وكل ذلك احتمال رمزي لا غير.
والإنسان المهموم قد يحمل فكرة واحدة تلح عليه ليلًا ونهارًا، وقد يضيق صدره بما يسمعه ويراه. فالأذان في منامه قد يرمز إلى نداء داخلي يدعوه إلى التوقف والتنفس وتخفيف الحمل. وقد يعبّر عن حاجته إلى جماعة تواسيه وصحبة تسمعه. وقد يرمز إلى رغبة في تنظيم وقته وإعادة ترتيب أولوياته بما يريحه. وليس في ذلك دلالة على موعد زوال الهم أو استمراره، فهذا من علم الله وحده.
ومن التفاصيل التي يستحسن تذكّرها: هل كان الصوت دافئًا مريحًا، وهل اقترن بشعور بالأمان، وهل رأى الرائي نفسه حاضرًا أم بعيدًا عن الصوت. فالدفء والأمان يميلان بالقراءة إلى السكينة، والبعد قد يعبّر عن شعور بالوحدة. وقد يكون الحلم أثرًا لما تحمله النفس من أفكار قبل النوم. ولا يُجعل لأي تفصيل وزن أكبر من حجمه، فالمهم هو الأثر العام الذي تركه الحلم في الصدر.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يخفف الهم أن يتحدث الإنسان بما يشغله مع قريب أو صديق موثوق، وأن يحافظ على نوم منتظم وغذاء مناسب ومشي هادئ وصحبة طيبة. وقد يفيده كذلك أن يخصص وقتًا يوميًا للذكر والدعاء. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإن استمر الحزن أو اشتد القلق أو أثر في النوم والعمل والأكل فمن الضروري أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الموثوقين. وطلب المساعدة خطوة شجاعة.
وقد ورد بمعنى الحديث المتفق عليه أن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره. وفي هذا الأدب ما يخفف من أثر الأحلام المقلقة ويمنع تضخيمها. وأما الأحلام الهادئة كحلم الأذان فتُستقبل بحسن الظن وبالشكر دون تكلف. فيكفي من الحلم أن يترك أثرًا من هدوء، وأن يُؤخذ في حدود معناه اللطيف. ويبقى المعنى في كل ذلك مرهونًا بما يلابس الرؤيا من تفاصيل، وبما يعرفه الرائي من حال نفسه وأيامه.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله ويدعوه بالفرج والسكينة والتوفيق. وأن يأخذ من الحلم معنى الأنس والنداء الجامع. والله أعلم بالصواب، وهو سبحانه الرحيم القريب الذي يسمع الدعاء.
