حين يمر الإنسان بفترة مرض يصبح وقته أبطأ وصوته الداخلي أعلى، وتكثر في أحلامه الصور المرتبطة بالسكينة والرعاية والأصوات المألوفة. ومن هذه الصور صوت الأذان الذي يعرفه منذ الصغر. والرؤيا هنا لا تُقرأ على أنها إشارة إلى مسار مرضه أو إلى ما ينتظره، فذلك علم لا يطلع عليه أحد غير الله. وإنما تُقرأ قراءة رمزية عامة تحمل معاني الأنس والتذكير والطمأنينة، وهذا المقال يعرضها على سبيل التأمل لا التوقع.
الأذان في رمزيته نداء ثابت يتكرر في أوقاته المعلومة، فهو يعلن الوقت ويجمع القلوب على معنى واحد ويبعث في النفس الشعور بالانتظام. وقد يُفهم في منام المريض على أنه صوت مألوف يؤنس وحدته، أو تذكير لطيف بأن للأيام إيقاعًا يمضي مهما بدت بطيئة. وقد يحمل معنى الصبر والثبات، وقد يحمل الحنين إلى جو المسجد والجماعة. ويختلف ذلك بحسب صفة الصوت وما صاحبه من شعور في الحلم.
والمريض قد يرى في منامه أصواتًا مألوفة تعيد إليه شيئًا من الأنس في أيام الضعف، ويبدو صوت النداء في هذه الصورة كأنه يذكّره بانتظام الحياة وراحتها المعتادة. وقد تعبّر الصورة رمزيًا عن حاجة إلى الطمأنينة وحسن الظن. وهذه قراءة عامة لا تُنزَّل على الحلم ولا يُفهم منها شيء عن حال المرض أو نتيجته، وتبقى استئناسًا لا أكثر، والشفاء بيد الله وحده.
ويذكر بعض المعبّرين في بعض كتب التعبير أن الأذان يُحمل على الدعوة إلى أمر مهم أو الإعلام به، وذهب آخرون من المعبّرين إلى معنى يدور حول التذكير والنداء. وهذه الأقوال متفاوتة في نسبتها وتفاصيلها، ولا يمكن الجزم بشيء منها. وليس في أي منها ما ينبغي أن يُنزَّل على حال مريض أو أن يُستدل به على أمر صحي. فالتعبير في هذه الحال يبقى رمزًا عامًا للسكينة والتذكير، ولا يزيد على ذلك.
يتغير معنى الأذان بتغير موضعه، فإن سمعه الرائي في بيته وهو في فراشه ارتبط المعنى بالأنس والألفة، وإن سمعه من نافذة ارتبط بالتأمل وبالاتصال بالعالم الخارجي. وإن كان وقت الفجر فهو أقرب إلى معنى الهدوء وبدء يوم جديد، وإن كان في المساء فهو أقرب إلى معنى السكون والراحة. وإن امتزج بأصوات أهل البيت فقد يعبّر عن قرب الأحبة. وكل ذلك احتمال رمزي لا إخبار.
والإنسان في فترة المرض قد يشعر بالضعف والملل والقلق، وقد يشتاق إلى ما كان عليه من نشاط واعتياد. فقد يكون الأذان في منامه تعبيرًا عن هذا الشوق إلى الانتظام والجماعة، أو عن حاجة إلى أنس معنوي يخفف عنه ثقل الوقت. وقد يعبّر أيضًا عن الرغبة في الشعور بأن شيئًا ثابتًا لا يتغير حوله. وليس في ذلك دلالة على تحسن أو تراجع، فذلك لا يعلمه إلا الله.
ومن التفاصيل التي يُلتفت إليها: هل كان الصوت هادئًا رخيمًا، وهل كان قريبًا أم بعيدًا، وهل رافقه شعور بالراحة. وقد يكون الحلم أثرًا لأذان سمعه الرائي قبل نومه أو لكلام دار حوله في البيت، فلا يُحمّل أكثر مما يحتمل. كما أن تعب الجسد قد يؤثر في صور الأحلام وشدتها، فلا يُنسب كل ما فيها إلى معنى خاص. والأهم أن يخرج الرائي من الحلم بشيء من الهدوء.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يكون من المفيد للمريض أن يحيط نفسه بما يهدئه من ذكر وقراءة وكلام طيب مع أهله، مع الحرص على اتباع ما يوصي به الأطباء المختصون، وعلى أخذ قسطه من الراحة والطعام والنوم قدر المستطاع. ويبقى للمريض أن يطلب من أهله ما يحتاجه من عون وأنس دون حرج. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو علاجية، ولا يغني عن مراجعة الطبيب ولا يصلح بديلًا عنها. وإن كان القلق أو الحزن ثقيلًا مستمرًا فمن المناسب أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الذين يثق بهم. وفي الكلمة الطيبة والرعاية الصادقة عون كبير.
وقد ورد بمعنى الحديث المتفق عليه أن من رأى ما يكره في منامه فليستعذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره. وأن من رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب. وفي هذه الآداب تهدئة للنفس، وإبعاد للوساوس التي قد تزداد في أوقات الضعف. والأذان في أصله صوت طمأنينة، فلا يُراد أن يتحول إلى مصدر تساؤل أو خوف.
وفي الختام فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله ويدعوه بالسكينة والعافية والتوفيق. وأن يأخذ من الحلم الأنس والهدوء فحسب. والله أعلم بالصواب، وهو أرحم الراحمين وأقرب من كل ملتجئ.
