قد يرى الإنسان في منامه أنه يسمع الأذان في مكان لونه غريب غير مألوف، كأن الجدران أو السماء أو الأرض اكتست بدرجة لا يعرفها في الواقع، فيستيقظ وفي نفسه استغراب من هذا المزج بين صوت مألوف ومشهد غريب. وهذه الصورة تُقرأ قراءة رمزية عامة، فليس في اللون الغريب ما يدل على أمر قادم ولا على رسالة غيبية. والأقرب أنها من الصور التي يصنعها الذهن حين يجمع المألوف مع غير المألوف. ويعرض هذا المقال احتمالات للتأمل فقط، ويترك الجزم لله وحده.
الأذان صوت مألوف يرتبط بالأمان والانتظام، واللون الغريب يوحي بالجدة وبالخروج عن المعتاد، فاجتماعهما في حلم واحد يبدو كأنه لقاء بين الثابت والمتغير. وقد يُقرأ ذلك رمزيًا على أنه صورة لحال يمر بها الرائي، يحتفظ فيها بما يعرف ويحب وهو يواجه ما لم يألفه من ظروف أو مشاعر. وقد يعبّر كذلك عن فضول لطيف تجاه ما هو جديد. ويتفاوت المعنى بحسب درجة اللون وشعور الرائي، فاللون الهادئ غير الصارخ. ولا يُجزم بدلالة واحدة.
والألوان الغريبة في الأحلام كثيرة الورود ولا تثبت على معنى واحد، فقد يظهر المكان بلون لا يعرفه الرائي في يقظته ويبقى الصوت المألوف هو الثابت في المشهد. وقد تُقرأ الصورة رمزيًا بوصفها نظرة جديدة إلى أمر مألوف، أو مجرد تلوين عشوائي من الذهن. وهذه قراءة عامة لا تُنزَّل على الحلم ولا على حال الرائي، ولا يُبنى عليها جزم، وهي مادة للتأمل لا أكثر.
ويذكر بعض المعبّرين في بعض كتب التعبير أن الأذان يُحمل على الدعوة إلى أمر مهم أو الإعلام به، وذهب آخرون من المعبّرين إلى معنى قريب يدور حول التذكير. وأما الألوان فقد تُذكر لها في كتب التعبير معان متفاوتة تختلف باختلاف اللون والمعبّر، وتتباين الروايات في ثبوتها. ولا يوجد في ذلك ما يخص اللون الغريب مع الأذان على وجه التحديد. فيبقى التفسير اجتهادًا عامًا يُعرض ولا يُلزم، والرجوع فيه إلى حال الرائي.
ويتأثر المعنى بالسياق، فإن كان اللون ناعمًا هادئًا والأذان جميلًا فقد يُقرأ ذلك على أنه انسجام بين الجديد والمألوف. وإن كان اللون حادًا مرهقًا للنظر فقد يعبّر عن توتر أو إجهاد في اليوم. وإن كان المكان كله بلون واحد فقد يعبّر عن غلبة شعور واحد على المشهد. وإن تغير اللون أثناء الأذان فقد يرمز إلى تبدل في المزاج. وكل ذلك احتمال رمزي لا يُقطع به.
والأحلام بطبيعتها تمزج الألوان والأماكن بصور لا وجود لها في الواقع، فلا يُستغرب أن يظهر اللون غير المألوف في حلم فيه صوت مألوف. وقد يكون للأمر صلة بشيء رآه الرائي في يومه، كصورة أو ضوء أو لوحة، ثم عاد في المنام بلون مختلف. وليس في ذلك ما يحمل خطرًا أو دلالة على حال الرائي. وهي من أكثر صور الأحلام شيوعًا وأقلها دلالة.
ومن التفاصيل التي يُلتفت إليها: ما اللون تحديدًا، وهل هو للجدران أو السماء أو الأرض أو الهواء، وهل شعر الرائي بالراحة أم بالضيق. فإن كان الشعور مريحًا فالقراءة تميل إلى الأنس بالجديد مع بقاء الألفة، وإن كان مقلقًا فقد يرتبط بتغيرات في حياته تحتاج إلى وقت للتأقلم. ولا يُعطى لكل لون معنى ثابت، فالشعور المرافق أهم من اللون نفسه.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يفيد من يرى هذا الحلم أن يتأمل هل مرّ بتغيير في بيته أو عمله أو علاقاته، وأن يمنح نفسه وقتًا للتأقلم دون عجلة. وقد يفيده أن يحافظ على روتين ثابت يمنحه الألفة وسط الجديد. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإن استمر القلق أو تكررت الأحلام المزعجة فالأنسب التحدث مع مختص أو مع أحد الأهل الموثوقين. والمألوف يسند النفس حين يتغير ما حولها.
وقد ورد بمعنى الحديث المتفق عليه أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، وأن من رأى رؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب. وفي هذا ما يعلّم الرائي ألا يبحث في كل تفصيل من تفاصيل الحلم عن معنى، فبعضها محض صور عابرة لا قيمة لها في ذاتها. فلا يُبنى على اللون الغريب شيء من التوقعات أو الانشغال. ويكفي أن يأخذ الرائي منه معنى الألفة وسط الجديد ثم يمضي إلى يومه مطمئنًا.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه ويدعوه بالسكينة وصلاح الحال. وأن يأخذ من الحلم معنى الجمع بين المألوف والجديد دون ثقل. والله أعلم بالصواب، وهو اللطيف الخبير.
