قد يسمع الإنسان في منامه أذانًا يُرفع بصوت جميل ثم ينقطع فجأة قبل أن يكتمل، فيستيقظ وفي نفسه شيء من الاستغراب أو الأسف على ما لم يكتمل. وهذه الصورة تُقرأ قراءة رمزية عامة، فليس في انقطاع الصوت ما يدل على نقص ولا على أمر قادم ولا على رسالة غيبية. والأقرب أنها تعبّر عن مشهد ذهني قُطع قبل نهايته، كما تُقطع كثير من الأحلام. ويعرض هذا المقال احتمالات للتأمل فقط، ويترك الجزم لله وحده.
الأذان نداء له بداية ووسط ونهاية، وإيقاعه المعروف يجعل السامع يتوقع تمامه، فإذا انقطع في الحلم برزت فكرة الاكتمال بالمقابل. وقد يُقرأ ذلك رمزيًا على أنه صورة لأمر بدأه الرائي في يقظته ولم يُنهه بعد، أو لانشغال قطع عليه ما كان يستأنس به. وقد يعبّر كذلك عن رغبة في أن يطول الصفاء الذي شعر به في أول الحلم. ويتفاوت المعنى بحسب مكان الانقطاع في الأذان وشعور الرائي حين حدث. ولا يُجزم بدلالة واحدة.
وقد ورد بمعنى الحديث المتفق عليه أن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره. وفي هذا الأدب النبوي ما يخفف أثر الأحلام التي تترك في النفس انقباضًا، فلا يتحول الانقطاع المفاجئ في الحلم إلى سبب للتفكير الطويل. وفي هذا ما يذكّر بأن علم الإنسان بما يراه في منامه محدود، فلا ينبغي أن يُحمَّل الحلم فوق ما يحتمل، دون ربط بحال الرائي أو تفسير للحلم.
ويذكر بعض المعبّرين في بعض كتب التعبير أن الأذان يُحمل على الدعوة إلى أمر مهم أو الإعلام به، وذهب آخرون من المعبّرين إلى معنى قريب يدور حول التذكير. وتتفاوت الروايات في ثبوت هذه الأقوال، ولا يوجد فيما يُذكر منها كلام عن الأذان الذي ينقطع على وجه الخصوص. ولذلك فإن أي قراءة لهذه الصورة تبقى اجتهادًا عامًا يُعرض ولا يُلزم، ويعود فيه الأمر إلى ما يعرفه الرائي من حاله وأيامه.
ويتأثر المعنى بالسياق، فإن انقطع الأذان وحلّ مكانه هدوء مريح فقد يُقرأ ذلك على أنه انتقال لطيف من صوت إلى سكون. وإن انقطع وبقي الرائي ينتظر تتمته فقد يعبّر عن رغبة في إكمال أمر معلّق. وإن انقطع بصوت خارجي كمنبّه أو ضجة فالأقرب أنه أثر من محيط النائم وقت نومه. وإن كان الانقطاع تدريجيًا بخفوت الصوت فقد يرتبط بابتعاد المشهد عن الذهن شيئًا فشيئًا. وكل ذلك احتمال رمزي لا يُقطع به.
ومن أكثر أسباب انقطاع الأحلام أن النوم نفسه يتقطع، فيستيقظ الإنسان قليلًا ثم يعود، فينتهي مشهد ويبدأ آخر. ولذلك لا يُستغرب أن ينقطع الأذان فجأة، فهذا من طبيعة الأحلام وليس من خصوصية هذه الصورة. ولا يُحمَّل الانقطاع معنى النقص ولا الحرمان، ولا يُنسب إلى الرائي تقصير في شيء. فالإنسان قد يرى أجمل المشاهد وهي تنقطع، ويبقى بعدها قلبه في سلام إن أحسن الظن بربه.
ومن التفاصيل التي يُلتفت إليها: في أي كلمة انقطع الصوت، وهل شعر الرائي بالضيق أم بالهدوء، وهل رجع الصوت بعد ذلك أم لا. فإن عاد الأذان واكتمل فالقراءة تميل إلى معنى المتابعة والصبر على ما يتأخر، وإن لم يعد فقد يكون الأمر مجرد انتهاء للحلم. وقد يكون للصوت أصل في الواقع، كأذان سُمع من جهاز ثم أُغلق أو ابتعد. ولا يُعطى لكل تفصيل معنى ثابت، فالأهم هو الأثر العام الذي يبقى بعد الاستيقاظ.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يفيد من يرى مثل هذا الحلم أن يتأمل هل في يومه أمر بدأه ولم يتمه ويشغل بعض ذهنه، فيضع له خطوة صغيرة قابلة للإنجاز. وقد يفيده كذلك تنظيم نومه وتقليل الأصوات المقطعة قرب فراشه. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإن استمر القلق أو تكررت الأحلام المنغصة وأثرت في النوم فالأنسب التحدث مع مختص أو مع أحد الأهل الموثوقين. والإنسان لا يُطالب بإتمام كل شيء في يوم واحد.
وقد ورد بمعنى الحديث المتفق عليه أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، وأن من رأى رؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب. وفي هذا ما يعلّم الرائي أن الأحلام ليست كلها على درجة واحدة من المعنى، وأن بعضها مجرد أثر من النفس والنهار. فلا ينبغي أن يُبنى على انقطاع الأذان في الحلم شيء من التوقعات أو المخاوف. ويكفي أن يأخذ الرائي منه صورة رمزية عن الاكتمال والصبر ثم يمضي إلى يومه مطمئنًا.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه ويدعوه بالسكينة وتمام الخير وصلاح الحال. وأن يأخذ من الحلم معنى الاكتمال والصبر دون ثقل. والله أعلم بالصواب، وهو القريب المجيب.
